تخطَّ إلى المحتوى

ورأيت في التلفاز ذات مساء

غير معروف

٤٠ بيت

المتفرقات

ورأيتُ في التِّلفازِ ذاتَ مساءِ

ما يَستَفِزُّ خواطري وبكائي

جمْعٌ غفيرٌ يرفعون عرائضاً

وعلى ملامحهمْ أسى الإقصاءِ

مِن تلكمُ النَّظراتِ تعرف مَن هُمُ

كالشِّمسِ تجلو حَلْكةَ الظَّلماءِ

أتباعُ أتباع الرَّسولِ محمَّدٍ

في نشرِ نور ثقافةٍ وَإِباءِ

وعلى أياديهم تفتُّقُ أمَّةٍ

كالزَّهرِ كالأنداءِ كالأضواءِ

وعلى امتدادِ حديثهمْ سِيرٌ لها

في الدَّهر ذِكْرٌ خالدُ الأسماءِ

وعلى رفوفِ المكتبات مِدادُهمْ

كالياسمينِ بروضةٍ خضراءِ

وهمُ الحكيمُ على أياديهمْ رَبَا

مِن قبلهم ما كان غيرَ هَباءِ

وعلى أياديهم تخرَّجَ عالمٌ

في الطِّبِّ والآداب والكيمياءِ

وهمُ على رأس المعاركِ حَرْبةٌ

ترتدُّ عنها هَجْمةُ الأعداءِ

مَن صدَّ غيرُهمُ خطا مُستعمرٍ

عاتٍ، وأسقط دولةَ العملاءِ؟

مَن كان في صدر المجالسِ طلعةً

هيَّابةً في حَضْرةِ العقلاءِ؟

فإذا تكلَّمَ قلتَ بحراً زاخراً

أَوْ لا؟ فَنَسْرُ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ

كان المعلِّمُ في عُلُوِّ مكانهِ

مِن جملةِ الوزراء والأمراءِ

واليوم أضحى لا اعتبارَ لِقدرهِ

مِن جملة الفقراء والضعفاء؟

ما لِلمعلم واقفاً مُتظلِّماً

يشكو من الإملاقِ والبَرْحَاء؟

مَا بَالُهُ يمشي كَمِشْيةِ عاجزٍ

يرنو وجوهَ النَّاسِ في استحياء؟

مَا بَالُهُ يمشي وفي أطمارهِ

قَصَصٌ من الأوجاعِ والأدواءِ؟

مَا بَالُهُ يمشي وفي نظراتهِ

سَهَرٌ، وَغصَّةُ ليلةٍ لَيْلاءِ؟

"قُمْ لِلمعلِّمِ" قالها "شوقي" ولم

تَنفذْ كسهمٍ أضلعَ الرُّؤساءِ

هل كان شوقي صاحياً إذ قالها

أم كان في غيبوبةٍ وَعَمَاءِ؟

"قم للمعلمِ" راغباً ومقدِّراً

أم شَامِتاً مِن حالهِ العوجاءِ؟

"قم للمعلم" ثائراً في صَفِّهِ

أم راثياً لرواتبِ الشُّرفاء؟

قم أنت يا شوقي وقل لي ما ترى

في ذلك الجمعِ الغفيرِ النَّائي؟

وأكاد أسمعُ شَاعراً في قبرهِ

يَهتزُّ هِزّةَ نخوةٍ وَعزاءِ

قيل: المعلِّمُ ذا فؤادٌ مرهقٌ

وكجسمهِ الذّاوي من الإعياءِ

هل قلتَ قُم؟ هَا قُمتُ لكن لا أرى

فيمن أرى إلا كَمِثلِ لِواءِ!

قد شَفَّه جوعٌ وقِلَّةُ حيلةٍ

ووقوفُهُ في الشِّمسِ والرَّمضاءِ

ورأيته خلف الجدار تقودُهُ

"عَربيَّةٌ" ملفوفةٌ برداءِ

وعرفته لمَّا توارى خلسةً

وعرفتُ فيهِ مقابرَ الأحياءِ

روحي فداك معلِّمي لا تنصرفْ

عنِّي حياءً لستُ كاللؤماءِ

ويكاد يُنكرُني: أظنُّك مخطئاً

والنَّارُ تقدحُ زندَها أحشائي

وحضنتُهُ وحضنتُ ألفَ غمامةٍ

تبكي بلا كللٍ حروفَ هجاءِ

ورأيتُ فيهِ طفولتي ومدينتي

وحقيبتي كالطائر الغنَّاءِ

ورأيتُ أصحابي وطاولةً بها

كانتْ مطارَ خواطري ورجائي

أين الضَّميرُ أليس في أعماقكمْ

روحٌ تئنُّ لمُوجَعِ الكرماءِ؟

مَا بَالُهُ يشكو؟ وهذا حقُّهُ

أنْ لا يُرى في ساحةِ استجداءِ

ماذا جرى؟ هل لم تعد أخلاقكم

وُسْعاً لكلِّ مروءةٍ ووفاءِ؟

أعطوه راتبَهُ وأعلوا قَدْرَهُ

عارٌ إذا لم تفعلوا بسخاءِ

يا ويلَ شعبٍ بات فيه مُثقَّفٌ

يشكو ولكن.. دونما إصغاءِ