تخطَّ إلى المحتوى

الآن أمحو الذكريات

تفعيلة الكامل

٢٠٥ بيت

الرثاء

الآنَ أمحو الذكرياتِ

وأَغسِلُ الليلَ المُجَازِفَ بَعْدَ كُلِّ خَطِيئةٍ،

تَتَسَاقَطُ النَجْمَاتُ مِن ثَوبِ الغُيوبِ

بِمَنزِلينِ مِن الهِلالِ وَجدْتُ رُوحِي

تَعتَلي وَتَرَى

أُسْطُورَةً فَلَتَتْ مِن اليُونانِ

بَلْ

قِيثَارةً رُفعَتْ كَدَوْزانِ الوُجُودِ

بِسُلَّمَينِ وجَرَّحَتْ أَيدِي المُغَنِّي

فَانْبَرى وتَرًا

لِيَتْلُو اللَّحْنَ بِالأيدي المُصابةْ

الآنَ أَروِيهَا

وَأَرْوِي مَا تَبَقَّى مِن ظُنُونِ البَحْرِ

يَحْمِلُنِي الحَنِينُ إِلى شَواطِئِ كُحْلِهَا وَحْدِي

وَتَفْلُتُ دَمْعَةٌ سَودَاءُ مِن "مَاء السماء"

عَلى المَدِينَةِ أَمْطَرَتْ

وَنَمَتْ عَلى الحَجَرِ الكِتَابَةْ

الآنَ يَلْتَبِسُ الشعورُ أَخطُّ كَي أَمْحُو

وَأَمْحُو كَي أَرَى

وَأَرَى الطرِيقَةَ والطَرِيقَ تَخَاصَمَا

ضَاقَتْ بِهمْ سُبُلُ الولُوجِ إِلى الرحَابَةْ

سَأقُولُ عَنها مَا يُقالُ عَنْ السحَابَةْ

مَشْيَ الهُوينَى بَينَ نَجْدٍ والحِجَازِ

أَقُولُ مَا بَينَ القَصِيدَةِ واهتِزازيَ

وَحْدَها تَأتِي وَكَانَ الكَونُ يَتْبَعُهَا وَلا شَيءٌ سِواهَا

هِي وَحدَها لَا شَيءَ يُشْبِهُهَا سِوى صُدَفِ التشَابُهِ بَينَ آلِهةِ الأولْمبِ وَمَا تَواتَرَ حَولَ بَابِلْ

لا شَيءَ يُشْبِهُهَا سِوى مَا قَد تَردَّدَ فِي صَدى الأضلاع بَينَ الصَهْلةِ الأُولَى وإِيقَاعِ الخَلاخِلْ

لا شَيءَ يُشْبِهُهَا سِوى مَا قَدْ تَوافَقَ بَينَ هَمْسَةِ عَاشِقَينِ وآخِرِ الكَلِمَاتِ عَنْ شَرَفِ المُنَاضِلْ

لا شيءَ يَشْرَحُهَا سِوى مَعنى الطُفُولَةِ وَهي تَبْتَدِعُ القَصَائِدَ دُونَما قَصْدٍ

وتَحْتَرِفُ التَزَلُّجَ فِي حُرُوفِ المَدِّ

تَقْتَرِحُ التعَرِّي حَولَ أُولَى المُفْرَدَاتِ

لِتُدخِلَ الضَّحِكَاتِ

في المُدُنِ الحَزينَةْ

هَي وَحْدَها امرأةٌ وَتَحْمِلُ فَوقَ نَاهِدِ صَدْرِهَا تَغْرِيْبَتِينِ

لِكَونِها امْرَأةً…

وَلِكَونِها مِنْ كُلِّ بَدْوٍ قَدْ أَنَاخُوا الإِبلَ فِي وَسَطِ المَدِينَةْ

هِي مَن أَتَتْ للعَالَمِ المَنْسِيِّ فِي طُوفَانِ دَمعٍ هَائِجٍ

وَتَلاطَمَتْ أَمْوَاجُهَا حتى تَكَسَّرَتْ السفَينَةْ

كَانَتْ عَلى جَفنِ الردَى تَمْشِي

وَتَتْرُكُ كُحْلَهَا يَخْتَطُّ تَارِيخًا

وَكَانَ الدهْرُ نَائِمْ

خَاضَتْ بِبُؤْبُؤِ كُلِّ مَن نَظَرَوا

وَعَمَّ عَمًى

وَصَارَ القَلْبُ هَائِمْ

لَكِنَّها الصحراءُ

شاسعةٌ

وقاتلةٌ

وسيدةٌ لِكُلِّ الأَرْضِ

يَخْدِشُهَا عُواءُ الريحِ

إِذْ تَتَحَرَّشُ النَايَاتُ فِي تَنْهِيدِهَا

مِن صَوتِها تَصْحُو قَبَائِلُ مِن مَلَذَّاتٍ

وَتَحْتَرِقُ الأَسَاطِيرُ القَدِيمَةُ

والتَقَالِيدُ المُعَطّلةُ الرَّتِيبَةُ

يَنتَهِي عَصْرُ "الهَوانِمْ"

هِيَ جَادَّةٌ جِدًا

لِذَلِكَ رُبَّمَا ارتَعَدَ الذكُورُ مِنَ الثباتِ الأُنثَوِيِّ

وَخَاصَّةٌ جِدًا

لِذَلِكَ رُبمَا لَمْ تَكْتَرِثْ بِالعَامِّ

مِن سَرْدِ الحَكَايَا والنَمَائِمْ

مِن طَرقَةِ الكَعْبِ.. القُلُوبُ تَرَى اهتِزَازَتَهَا

وتَنْكَسِرُ المَمَالِكْ

طُرْوَادَةٌ ... قرطاجةٌ... غُرْنَاطَةٌ

وَأَنَا كَذَلِكْ

هِيَ أَجْمَلُ المَلِكَاتِ مِن سَبأٍ

وَأَحلَى مِن زُلَيخَةَ

أَو هِيلِينْ

هِي مَن يُقَالُ لَهَا كَمَا تَبْغِينَ

أَو مَا تَشْتَهِينْ

هِي وَحدَها حُرِّيةُ الساعَاتِ

أَوْ سِرُّ التَدَفُقِ

تَحْضُنُ اللحظَاتِ حَتى تَستَطِيلَ

وَوَحدَها تَنْمُو وجُودًا آخَرًا

فِيما الوجُودُ يَلُمُّ أَسْبَابَ الحَياةِ

وَيَتْرُكُ المَوتَ اقتِرَاعَا

قَالَتْ لِكُلِّ مُغَامِرٍ كُنْ أَنْتَ

وَشْمًا خَالِدًا فِي جِلْدِ رُوحِي..

واشْرَبْ مِن الجَسَدِ السوَاقِي..

وانزَعْ عَن الليلِ القِنَاعَا

مُنذُ اللقاءِ عَلى طَريقِ صُعُودِها

رَأَتْ الغَرِيبَ يُعِدُّ أَسبَابَ النُزُولِ

يَقَولُ للطَّلَلِ الأَخِيرِ وَدَاعَا

ويَعُدُّ أَشَياءَ الحَياةِ يَقُولُ

أَشْهَدُ أَنني قَدْ عِشْتُ

مَا يَكفِي مِن التِرحَالِ

كَي أُهدِي الرّياحَ شِرَاعَا

هِي وَحْدَهَا رَأَتْ الغَرِيبَ

عَلى طَرِيقِ صُعُودِهَا

وَتَرَجْلَتْ عَن صَهوةِ الوَقْتِ الأَخِيرِ

أَعَدَّتِ الأَكوابَ

حَتى تَحْتَسِي مَاءَ الغَرِيبِ

تِبَاعَا

سَيَجِيءُ مَوْتٌ آخَرٌ قَالَتْ

وَقَالَ: أَنَا اغتِرَابٌ دُونَمَا سَفَرٍ

أَعَودُ إِلى الوَرَاءِ لِأَسْتَعِيرَ غَدِي

ولا تَارِيْخَ غَيرَ خُرَافَةِ الأَجْدَادِ

يَا عِلْمِيَّةَ التَكْوِينِ صَارِمَةَ العِبَارةِ

بِالوضُوحِ اللانهَائِيِّ

المَجَازُ أَنَا

الضبابُ المُنْتَمِي للمَاءِ

مِن حَدْسٍ وُلِدْتُ عَلى طَرِيقِ الشعْرِ للمَعْنَى

مَشَيْتُ عَلى قَوَافٍ

واتكَأتُ عَلى غَمَامٍ

بَلْ سَقَطْتُ بِجُبِّ يَوسُفَ

كَمْ صَرَخْتُ وَلَا صَدَىً

وَأَصِيحُ لَا سَنَدٌ وصَاحِبْ

لَا أَهْلَ لِي إِلا الرَمَادَ

وَبُرْجِيَ النَاريَّ

والقَلَقَ المُصَاحِبْ

أَمْ هَكَذَا

يَسْتَيْقِظُ البُرْكَانُ مِن حُمَمِ الأُنُوثَةِ

هَكَذا

مِن طَرْقَتَينِ عَلى طَرِيقِ تَغَنُّجِ الخَلْخَالِ

تَشْتَعِلُ الخَرِيطَةُ

هَكَذَا

والقَلْبُ مُوسِيقَى تُحَارِبْ!

فِيمَا تُغَازِلهَا الحضَارَةُ

تَسْتَمِيْلُ جَمَالَها

جَسَدًا قَدِيمًا فِي البَدَاوَةِ

كَمْ تَنَفَّسَهُ الخُزَامَى

بِانضِوَاءَاتٍ تضجُّ

تنهُّدًا حارًّا

كَأُوركِسْترَا الحَنِيْنِ

وحَمْحَمَاتٍ بِالفُرُوسِيَاتِ

مِن شَوقِ الصلِيلِ إِلى الصهِيلِ

وَلَحْظَةِ الفَرَسِ الحَرُونِ

إذَا تَطَايرَ خَلْفَهَا كُلُّ الغُبَارِ الجاهِليِّ

وعَلَّقَتْ عَصَبَ القَصَائِدِ حُرَّةً

بِعَمُودِهَا الفَقْرِيِّ

وَاقِفَةً مَعَ السبْعِ العَجَائِبْ

ولِأَنَّها جَهَشَتْ

بِمَا لَمْ يَسْتَطِعْهُ الصَدْرُ مِنْ حَرِّ الجَوَى

وَلِأنَّها قَدْ جَسَّرَتْ للرُوحِ مِعْرَاجًا إِلى المَعْنَى

وَحَطَّتْ خَيمَةً أُخْرَى لِظِلِّ القَلب

من هُدْبٍ نَسِيجُ البَيتِ

مِن قَمَرٍ تُطِلُّ

وتَذْرُفُ النجمَ الأخيرَ

وليسَ تُدْرِكُها الكَوَاكِبْ

قَالَتْ تَحَسَّسْ

بِاليَدِينِ طَرَاوَةَ الجَسَدِ الرَبِيعِ

وَشُمَّهُ عَبَقًا مِن الجنَاتِ

يَحْمِلُهُ بَخورٌ

مِن جُذُوعِ الهِنْدِ

تُشْبِهُهُ انحِنَاءَاتُ الرمَالِ

بِجَفْنِ شَمْسٍ

بَلْ يُحَمِّلُهُ الأفَارِقَةُ القُدَامَى سِرَّهُمْ

بُنًّا وأحجارًا كَرِيمَةْ

قَالَتْ تَعَالَ لِدِفْءِ حُضنِي هَاهُنا

أَتَلَمْسُ الألَمَ المُدَمَّى

أَنْكَأُ الجُرحَ المُرَاوِغَ

أَجْمَعُ الطعَنَاتِ مِن بَعدِ الهَزِيمَةْ

قَالَتْ تَعالَ

فَكُلُّ وَقتٍ للعَقَاربِ

والزمَانُ يَسِيلُ

لا دَمعٌ سَيَكْفِي

فَاطرُد الخَوفَ المرَوَّعَ

بِالحِكَايَاتِ القَدِيمَةْ

قَالَتْ حَيَاتُكَ رِحلَةٌ

فاخْلِق سَبِيلا

قَالَتْ زَمَانُكَ نَبْعَةٌ

فَاروِ الغَلِيلا

قَالَتْ فَتَاتُكَ حُرَّةٌ

فَكُن الصَّهِيْلا

كَانَتْ تَرَى الجرْحَ القَدِيمَ ولا ضِمَادَ

سِوى بِمِلْحِ الوَجهِ

واليَدِ واللسِانِ

مِن كَانَ تَجْرَحُهُ الأغَانِي..

لَنْ تُدَاوِيْهِ الأغَانِي..

تَدرِي

سَأَسْكنُ كَهرَبَاءَ القَلْبِ

أَو قَدْ أَنْتَمَي للحُزنِ

إِمَّا أُتْقِنُ النبضَ اضطِرَابًا ثابتًا

أَو تَعْتَلِي في الصدرِ ذَبْحَتُهُ

لتَكْبُرَ فَجْأةً فِي الوَقْتِ

أَجْنِحَةُ الثَوَانِي

مِن هَاهُنا تَمضِي

وتَتْبعُها عُيونٌ مِن سَرَابٍ

تُفْزِعُ الطيرَ المُطَمْأَنَ فِي مَرَايَا صَدْرِها

تَعْدُو بَوادِي القَرْيَتِينِ.. تَقُولُ:

أَعرِفُ أَنْ مَوتًا مَا سَيَأتِي

ضُمَّنِي بِيَدَيْكَ لَا تَتْرُكْ زُهُورِي للرياحِ

وَلا تَدَعْني للذِئَابِ فِإنَّ لَحْمِي طَازَجٌ

ودَمِي مِن الكَأسِ المُقَدَّسَةِ

احتِرقْ فِي جَمْرَتِي

فِي خَمْرَتِي واشرَبْ كَلامِي

فالترنّحُ مُمْكِنٌ بَينَ المَطَالِعِ وَهيَ سَيْدَةٌ

وَبَينَ خِتَامِهَا فِي الأُغْنِيَاتِ وَفَي أَهَازِيجِ القِيَانِ

تَدْرِي سَيُوجِعُني التَذَكُّرُ كُلَّما شَاهَدْتُ طَاوِلَةً بِكُرْسِيَّيْنِ

مَمْشَىً فِي الحَدِيقَةِ

مَطْعَمًا لَا يُغْلِقُ الأَبْوَابَ حَتَّى الفَجرِ

عُشَّاقًا عَلَى دَرَّاجَتَينِ

وَلَيلةً شِتَويَّةً كَمَزاجِهَا مِن دُونِ مِكْيَاجٍ

سَتُوجِعُني رُفُوفُ المَكْتَبَاتِ

سَأَقرَأُ العُنوَانَ وَحدِي ثُمَّ أَحْزَنُ لَمْ أَكُنْ مَعَها

لِنَسْخَرَ مِن عَنَاوِينِ الثقَافَةِ أَو تَفَاهَاتِ الزمَانِ

تَدرِي سَأَشْرَبُ مِن دَمِي وَأَعُضُّ أَعْضَائِي

وَأَنْدَمُ أَنَّنِي فِي لَحْظَةِ التودِيعِ لَمْ أُطِل العِنَاقَ

بِضَمَّتَينِ

وَلَمْ أَدَعْ وَقتًا لِيَبكِي البَاسِمَانِ

تَدرِي سَأَسْفَحُ مِن دَمِي شِعرًا عَلى شَفَقِ الغُروبِ

أُشدُّ شَعرَ الليلِ كَي أَستَنْطِقَ الغَيبَ المُحَايدَ

أَنتَمِي لِأَسى الحَقِيقَةِ كَي أُكَابِدَ نَارَها

وَأَعودُ لَا غَرقٌ لَدَيَّ سِوى بِبَحرِ الذكرَياتِ

وَلا شُعورَ سِوى بِقِلَّةِ حِيلَتِي وَبِطُولِ إحسَاسِ الهَوَانِ

فَعَسى تَرَى قَلَقِي مَلَائِكَةٌ تُهَدِّئُ خَاطِري بِنُزُولِها

وَقِرَاءَةِ السبعِ المَثَانِي