دَارَتْ عَلَى الْأَطْلَالِ رِيحُ حَنِينِهِ
وَتَرَنَّمَتْ فِي السَّهْلِ وَالصَّوَانِ
فَبَكَتْ رُبَى الْوَادِي وَهَامَتْ أَطْيُفُهَا
فِي مَوْكِبِ الذِّكْرَى وَحُزْنِ زَمَانِ
هَلْ كَانَ عَهْدِي فِي الْمُرُوجِ شَقِيقَهَا؟
أَمْ كَانَ حُبِّي خَافِقَ الْجُدْرَانِ؟
وَقَفَتْ خُطَايَ عَلَى الْخَمِيلَةِ فَانْثَنَى
أَثَرُ الْخُطَا نَارًا عَلَى الْكُثْبَانِ
كَفِّي تُلَامِسُ ذَاكَ طَيْفًا بَاهِتًا
وَالرِّيحُ تَسْرِي فِي شَذَا الرُّمَّانِ
أَيْنَ الرِّفَاقُ؟ وَهَلْ تُجِيبُ رِيَاضُهَا؟
أَمْ صَارَ صَمْتُ الْحُزْنِ فِي الْأَغْصَانِ؟
طَلَلٌ كَأَنَّ الْحُزْنَ نَسْجُ كُفُوفِهِ
ثَوْبُ الْفِرَاقِ وَزِينَةُ الْأَحْزَانِ
مَنْ لِي بِرَجْعِ الْأَمْسِ؟ كَيْفَ أَعُودُهُ؟
وَالدَّهْرُ يَعْبَثُ بِالنُّهَى وَالْهَانِ
لَوْ كَانَ لِلْحُبِّ الْقَدِيمِ رِسَالَةٌ
لَكُتِبْتُ فِيهَا سِفْرَ عُمْرِ ثَوَانِ
فَأُجِيبُهُ بِالْبُكَاءِ عِنْدَ مَعَالِمٍ
رَسَمَتْ أُفُولَ الشَّوْقِ بِالْأَزْمَانِ
يَا طَائِرَ الشَّوْقِ الَّذِي أَطْلَقْتَهُ
هَلْ بَلَّغَ الْأَرْوَاحَ مَا أَعْيَانِي؟
حُبِّي كَنَهْرٍ صَافَحَتْهُ سَمَاؤُهُ
وَجَرَتْ بِهِ أَسْرَارُهُ بِأَمَانِ
يَا مَنْ سَكَنْتَ فُؤَادَ قَلْبِي خَالِدًا
لَا تَنْتَوِي إِلَّا عَلَى الطُّوفَانِ
فِي كُلِّ نَبْضٍ أَلْفُ هَمْسٍ خَافِتٍ
يَسْرِي عَلَى أَضْلَاعِهِ بِتَفَانِي
أَحْبَبْتُكَ الشَّوْقُ اللَّذِيذُ مُقِيمُهُ
وَالْحُبُّ فِي عُمْقِ الْمَدَى رَبَّانِي
وَأَرَاكَ فِي كُلِّ الْوُرُودِ مُعَطَّرًا
وَأَرَى الْحُقُولَ تَعُودُ بِالرَّيْحَانِ
هَذِي زُهُورُ الْحُبِّ فِي سَطَوَاتِهِ
مَا بَيْنَ خَوْفٍ مَرَّ أَوْ اطْمِئْنَانِ
يَا مَنْ مَلَكْتَ الرُّوحَ فِي أَطْلَالِهَا
وَجَعَلْتَنِي قِبْلَةَ الْمُتَحَانِي
شَوْقِي كَبَحْرٍ غَامِرٍ، لَمْ يُلْقِنِي
غَيْرَ الْأَسَى وَسَرَائِرِ الطُّوفَانِ
كَأَنِّي وَالشَّوْقُ انْصَهَرْنَا رُوحَنَا
نَارًا تُذِيعُ الْحُبَّ فِي الْعُنْفُوَانِ
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ لِلْحُبِّ أَسِنَّةً
تَجْرَحُنِي فِي عُمْقِهَا بِطِعَانِ
يَا لَيْتَ وَجْدِي بِالْهَوَى يَلْقَى النَّدَى
لَكِنَّهُ صَرَعَ الضَّنَى وَالْهَوَانِ
شُطْآنُ آمَالِي تَلَاشَتْ فَجْأَةً
وَالرِّيحُ تَسْرِي بِالْغَرِيبِ الْجَانِي
كَالشَّوْكِ كَانَ الْحُبُّ يَغْرِسُ وَرْدَهُ
فِي الْقَلْبِ حَتَّى أَدْمَعَ الْأَجْفَانِ
يَا جُرْحَ هَذَا الْحُبِّ، كَيْفَ أُدَاوِيَكْ؟
وَالْمَوْتُ يَجْثُو فَوْقَ ذَا الْأَبْدَانِ
أُدْمِيتُ حَتَّى صَارَ وَجْهِي لَوْحَةً
كُتِبَتْ بِهَا أَسْرَارُ كُلِّ مَكَانِ
جَفَّ الْمَدَى، وَالْمَاءُ خَنَقَ زَهْرَهُ
وَبَكَى عَلَى أَطْيَافِهِ الْغِدْرَانِ
لَوْ كَانَ لِلْحُزْنِ الْجَمِيلِ رِسَالَةٌ
لَكُتِبْتُ فِيهَا أَنَّنِي وَلْهَّانِ
قَدْ ضَاقَ هَذَا الْكَوْنُ بِي، وَدُمُوعِي
تَسْقِي بَقَايَا الْحُبِّ وَالْأَحْزَانِ
وَالْحُبُّ جُرْحٌ إِنْ أَضَاءَ طَرِيقَهُ
زَادَ احْتِرَاقَ الْعَاشِقِ الْحَيْرَانِ
يَا لَيْلُ، مَا هَذَا الْحَنِينُ الْغَامِرُ؟
وَالرَّعْدُ يَسْرِي فِي دُجَى الْأَلْحَانِ
السُّحْبُ تَرْقُصُ فِي السَّمَاءِ كَأَنَّهَا
رُوحُ الْفِرَاقِ تُجِيدُ عَزْفَ بَيَانِ
وَالدَّمْعُ يَسْقِي خَافِقِي، وَيُذِيعُهُ
عَبْرَ الْمَدَى كَصَدَى الْهَوَى وَالْكَيَانِ
وَالرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ مُزْمَجِرًا
يُبْدِي رَسَائِلَ حُزْنِهِ لِلْجِيرَانِ
هَلْ كَانَ هَذَا الدَّهْرُ يُهْدِي حُبَّنَا؟
أَمْ كَانَ غَيْثًا ضَاعَ فِي الْمَيْدَانِ؟
أَرْنُو إِلَى وَجْهِ الْبُكَاءِ فَلَا أَرَى
إِلَّا غُبَارًا فَوْقَ عَيْنِ الْهَانِ
وَاللَّيْلُ يَعْصِفُ فِي كُؤُوسِ حَنِينِهِ
حَتَّى تَهَاوَتْ فِي فَمِ الطُّوفَانِ
يَا لَيْلُ، كَفُّكَ مِنْ حُزُونِي قَاحِلٌ
يَسْقِي الْعَرَاءَ بِدَمْعِهِ الْهَيْمَانِ
إِنَّ الْبُكَاءَ عَلَى الْحَبِيبِ قَصِيدَةٌ
يَكْتُبُهَا قَلْبٌ بِرَغْمِ كَيَانِ
وَالرِّيحُ تَسْرِي وَالْحُطَامُ كَأَنَّهُ
وَجْهُ الضَّيَاعِ يَئِنُّ بِالْهَذَيَانِ
لَكِنَّنِي وَاللَّيْلَ عَاهَدْنَا الضِّيَاءِ
أَنْ لَا يَمُوتَ الْحُبُّ بِالْخِذْلَانِ
مَا زَالَ فِي الْقَلْبِ الْجَرِيحِ بَقِيَّةٌ
مِنْ أَمَلٍ يَسْرِي عَلَى الْأَغْصَانِ
سَأَعُودُ يَوْمًا لِلْحَبِيبِ بِصَوْتِهِ
وَأُعِيدُ لِلْمَاضِي صَدَى الْأَلْحَانِ
وَالْحُبُّ لَا يَخْبُو وَإِنْ طَالَ النَّوَى
بَلْ يَنْبُضُ الْأَحْيَاءَ فِي الْإِنْسَانِ
يَا كَوْكَبَ الْأَمَلِ الَّذِي يُضِيءُ لَنَا
دَرْبَ الظَّلَامِ بِوَهْجِهِ الْفَتَّانِ
إِنِّي وَجَدْتُكَ فِي ارْتِقَاءِ صَبَابَتِي
مِثْلَ السَّحَابِ يُعَانِقُ الْوِدْيَانِ
فَسَأُعِيدُ لِلْحُبِّ الْمُعَلَّقِ شَاطِئًا
وَأَنَالُ فِيهِ أَمَانَةَ الْوِجْدَانِ
وَنُجُومُ أُفْقِ الشَّوْقِ أُمْسِكُ ضَوْءَهَا
حَتَّى أَعُودَ لِجَنَّةِ الرُّمَّانِ
إِنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْحَبِيبِ رِسَالَةٌ
تُهْدَى كَعَوْدِ الْفَجْرِ فِي الْأَفْنَانِ
وَسَأَبْنِي مِنْ صَبْرِ أَيَّامِ الْهَوَى
مُلْكًا يُعَانِقُ خَافِقَ الْأَكْوَانِ
قَدْ جَاءَ نُورُ الشَّوْقِ مِنْ أُفُقِ الْهُدَى
وَالرُّوحُ طَابَتْ فِي رُبَى الرُّهْبَانِ
أَلْقَاكَ يَا مَنْ كُنْتَ زَهْرَ حَيَاتِنَا
وَأُعِيدُ لِلرَّيْحَانِ طِيبَ جِنَانِ
مَا كَانَ حُبُّكَ فِي السَّمَاءِ مُغَيَّبًا
بَلْ كَانَ عَرْشًا فِي مَقَامِ أَمَانِ
يَا عَاشِقًا غَابَ الْغُرُوبُ بِرِفْقِهِ
عَادَ النَّهَارُ يُضِيءُ فِي الْأَكْوَانِ
خُذْنِي إِلَى شَمْسِ الْمَحَبَّةِ كَيْ نَرَى
وَجْهَ الْإِلْهَامِ فِي شَذَا الرَّحْمَانِ
وَاحْمِلْ خُطَايَ إِلَى جِنَانِكَ عَلَّنِي
أَلْقَى السَّلَامَ وَأَرْتَمِي فِي حَنَانِ
فَالْحُبُّ لَحْنٌ خَالِدٌ فِي كَوْنِهِ
وَالْعِشْقُ تَاجُ السَّعْدِ فِي الدِّيوَانِ
سَأَعُودُ يَا نَبْضَ الْحَيَاةِ لِأَحْتَفِي
بِقُدُومِ عَهْدِكَ بِالرَّجَاءِ الْجَانِي
عُدْنَا وَصَارَ الْحُبُّ نَجْمًا سَاطِعًا
فِي الْأُفُقِ يُبْدِي خَافِقَ السُّبْحَانِ
وَالْحُبُّ إِنْ طَالَ النَّوَى فَمَآلُهُ
بُشْرَى السَّلَامِ وَكَوْكَبُ الْعِرْفَانِ