تخطَّ إلى المحتوى

شعر التفعيلة

١٠٤ بيت

الحكمة

أَبْنَاءٌ…

مُعَلَّقُونَ بِأَفْوَاهِ اللُّغَةِ

كَحُرُوفٍ لَمْ تَجِدْ جَسَدًا

كَصَرْخَةٍ تَاهَتْ بَيْنَ لِسَانٍ وَمَعْنًى…

نَحْنُ...

مَنْ نَسْكُنُ الحَرْفَ

وَيَسْكُنُنَا،

نَمْضَغُ الصَّوْتَ

كَخُبْزٍ يَابِسٍ فِي مَجَاعَةِ الرُّوحِ..

وَنَشْرَبُ الصَّمْتَ

كَأَنَّهُ نَبِيذُ الخَيْبَاتِ المُعَتَّقَةِ…

أَيُّهَا اللِّسَانُ...

لِمَاذَا كُلَّمَا نَطَقْتَنَا

سَقَطْنَا مِنْ مَعْنَانَا...

وَكُلَّمَا صَمَتَّ

تَوَحَّشَتْ فِينَا الأَسْئِلَةُ...

نَحْنُ أَبْنَاءٌ

مُعَلَّقُونَ عَلَى شَفَتَيْ كَلِمَةٍ

لَمْ تُقَلْ بَعْدُ،

نَتَأَرْجَحُ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ...

نُقْطَةِ بَدْءٍ…

وَنُقْطَةِ نِهَايَةٍ

تَرْفُضُ أَنْ تَكُونَ…

فِي أَوَّلِ الأَبْجَدِيَّةِ

كُنَّا طُيُورًا

تَحْفَظُ الهَوَاءَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ..

وَفِي آخِرِهَا

صِرْنَا أَثْقَالًا

تَجُرُّ المَعْنَى إِلَى مَقْبَرَةِ التَّفْسِيرِ…

نَكْتُبُ…

فَتَكْتُبُنَا الكِتَابَةُ

بِحِبْرٍ مِنْ قَلَقٍ،

نُسَمِّي الأَشْيَاءَ

فَتَتَبَدَّلُ أَسْمَاؤُنَا

كَأَقْنِعَةٍ فِي مَسْرَحِ الفِكْرِ…

مَنْ نَحْنُ...

أَسُؤَالٌ نُحَاوِلُ نُطْقَهُ

فَيَنْكَسِرُ فِي حَلْقِنَا

كَزُجَاجٍ مُتْعَبٍ،

وَنَبْتَلِعُهُ…

لِيُزْهِرَ فِينَا أَلَمًا

يُسَمَّى ...المَعْرِفَةَ…

نَحْنُ أَبْنَاءُ اللُّغَةِ...

أَوْ لَعَلَّنَا أَيْتَامُهَا،

تَرَكَنَا المَعْنَى عَلَى عَتَبَةِ الجُمْلَةِ

وَمَضَى…

دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ

لِأَصَابِعِنَا المُتَعَلِّقَةِ بِظِلِّهِ…

نَرْكُضُ خَلْفَ الفِعْلِ

فَيُطَارِدُنَا المَاضِي،

نُحَاوِلُ أَنْ نَسْكُنَ الحَالَ

فَيَخُونُنَا المُسْتَقْبَلُ،

وَنَبْقَى

مُعَلَّقِينَ

كَزَمَنٍ مَكْسُورِ الأَجْنِحَةِ…

أَيُّهَا الحَرْفُ...

كَمْ مَرَّةٍ وَلَدْتَنَا

وَلَمْ تَعْتَرِفْ بِنَا...

كَمْ مَرَّةٍ نَطَقْنَاكَ

فَأَخْفَيْتَنَا فِي طَبَقَاتِ التَّأْوِيلِ...

نَحْنُ الَّذِينَ

إِذَا بَكَوْا…

تَحَوَّلَتْ دُمُوعُهُمْ إِلَى نُقَطِ تَرْقِيمٍ..

وَإِذَا صَرَخُوا…

تَفَكَّكَتْ أَصْوَاتُهُمْ إِلَى مَقَاطِعَ

لَا يَفْهَمُهَا سِوَى الجُنُونِ…

نَكْتُبُ لِنَفْهَمَ،

وَنَفْهَمُ لِنَضِيعَ،

وَنَضِيعُ

لِنَكْتُبَ مَرَّةً أُخْرَى

كَيْ نَكْتَشِفَ

أَنَّنَا لَمْ نُكْتَبْ بَعْدُ…

فِي اللَّيْلِ

نَتَسَلَّلُ إِلَى مَعَاجِمِ الظِّلِّ..

نُقَلِّبُ أَوْرَاقَ الصَّمْتِ،

وَنَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى

لَا يَخُونُ نَبْضَنَا…

نَجِدُ كَلِمَةً...

نَضَعُهَا فِي أَفْوَاهِنَا،

فَتَتَحَوَّلُ إِلَى مَرْآةٍ،

نَرَى فِيهَا

وُجُوهًا لَا تُشْبِهُنَا…

فَنَكْسِرُهَا…

وَنَجْمَعُ شَظَايَاهَا

لِنَكْتُبَ بِهَا نَصًّا جَدِيدًا

يَجْرَحُ القَارِئَ

قَبْلَ أَنْ يُشْفِينَا…

نَحْنُ أَبْنَاءٌ…

مُعَلَّقُونَ بِأَفْوَاهِ اللُّغَةِ،

نَنْتَظِرُ أَنْ تَلْفِظَنَا الحَقِيقَةُ

أَوْ تَبْتَلِعَنَا

إِلَى الأَبَدِ…

نُرِيدُ أَنْ نَكُونَ

مَعْنًى صَافِيًا...

لَا يَنْكَسِرُ إِذَا نُطِقَ،

وَلَا يَضِيعُ إِذَا كُتِبَ…

لَكِنَّنَا...

فِي كُلِّ مَرَّةٍ

نُحَاوِلُ أَنْ نَكُونَ…

نَتَحَوَّلُ إِلَى

مَجَرَّدِ حُرُوفٍ

تُحَاوِلُ

أَنْ تَنْجُوَ

مِنْ أَفْوَاهِهَا…