أَنَا القَارِبُ
الَّتِي نَسِيَتِ المَرَافِئَ
حِينَ عَلَّمَتْهَا الرِّيحُ
كَيْفَ تُصْغِي لِلتِّيهِ..
لَا شَاطِئَ فِي دَمِي
وَلَا وِجْهَةَ
غَيْرَ هَذَا الِارْتِعَاشِ الأَزَلِيِّ
بَيْنَ مَوْجٍ يَكْتُبُنِي
وَمَوْجٍ يَمْحُو اسْمِي..
قَالَتْ لِي البِحَارُ...
إِلَى أَيْنَ تَمْضِينَ..
قُلْتُ..
لَا أَمْضِي
أَنَا الَّتِي يُمْضَى بِهَا...
فِي صَدْرِي مِرْسَاةٌ
لَكِنَّهَا لَا تَثْبُتُ..
كُلَّمَا أَلْقَيْتُهَا
عَادَتْ إِلَيَّ
مُبَلَّلَةً
بِشَيْءٍ يُشْبِهُنِي..
أَعْرِفُ الجِهَاتِ
لَكِنَّنِي أَرْفُضُهَا...
الشَّمَالُ بَارِدٌ
كَالمَنْطِقِ حِينَ يَقْسُو
وَالْجَنُوبُ دَافِئٌ
كَكِذْبَةٍ قَدِيمَةٍ
وَالشَّرْقُ يَبِيعُ الضَّوْءَ
لِمَنْ يُصَدِّقُ
وَالغَرْبُ يُعَلِّقُ الغُرُوبَ
عَلَى كَتِفِ العَتَمَةِ...
وَأَنَا...
أَسْكُنُ المَسَافَةَ
بَيْنَ السُّؤَالِ
وَلَا جَوَابَ..
قِيلَ لِي..
الرَّحِيلُ نَجَاةٌ
فَكَسَرْتُ البَوْصَلَةَ..
وَقُلْتُ...
التِّيهُ هُوَ الصِّدْقُ الوَحِيدُ
يَا بَحْرُ
عَلَّمْتَنِي أَنْ أَكُونَ
صَلَاةً بِلَا قِبْلَةٍ
أَنْ أَرْكَعَ
لِأَشْيَاءَ لَا تُرَى..
أَنَا القَارِبُ
إِذَا هَدَأَتْ صَرَخَتْ
وَإِذَا صَرَخَتْ
ابْتَلَعَتْ صَوْتَهَا
فِي لَيَالِيَّ
تَأْتِي النَّوَارِسُ
تَكْتُبُ عَلَى كَتِفِي
رَسَائِلَ لَا تَصِلُ
وَتَضْحَكُ...
وَأَنَا أُؤْمِنُ
أَنَّ الأَجْنِحَةَ
يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَعَارَ..
مَرَرْتُ بِجُزُرٍ
تُشْبِهُ الحُبَّ
لَكِنَّنِي لَمْ أَنْزِلْ...
كُنْتُ أَعْرِفُ
أَنَّ اليَابِسَةَ
خِيَانَةٌ لِلْمَاءِ
كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ
مِنْ طُمَأْنِينَةٍ
ارْتَفَعَتْ فِي دَاخِلِي
عَاصِفَةٌ...
تَقُولُ...
لَا تَثِقِي بِالوُصُولِ
أَنَا لَا أُبْحِرُ
أَنَا أَتَفَتَّتُ...
كُلُّ مَوْجَةٍ
تَأْخُذُ مِنِّي اسْمًا...
وَتُعِيدُنِي
أَكْثَرَ غُمُوضًا...
حَلِمْتُ بِالغَرَقِ
لَكِنَّ الغَرَقَ
رَفَضَنِي...
قَالَ...
أَنْتِ أَعْمَقُ
وَأَخَفُّ
أَنَا بَيْنَ بَيْنَ...
لَا أَرْضَ تُمْسِكُنِي
وَلَا سَمَاءَ تَعْرِفُنِي...
حَتَّى النُّجُومُ
حِينَ دَلَّتْنِي...
ضَلَلْتُ أَكْثَرَ
الضَّوْءُ البَعِيدُ
يُشْبِهُ الوَهْمَ...
يَا أَنَا...
كُلَّمَا حَاوَلْتُ أَنْ أَصِلَ
تَحَوَّلْتُ إِلَى طَرِيقٍ...
أَنَا القَارِبُ
الَّتِي لَا تَعْرِفُ الرَّحِيلَ..
لِأَنَّ الرَّحِيلَ...
يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ
تُغَادِرُهُ...
وَأَنَا
لَمْ أَصِلْ بَعْدُ
أَنَا البِدَايَةُ
التَّائِهَةُ
فِي نَفْسِهَا...