حِينَ يَأْتِي الخَرِيفُ،
وَيَهْبِطُ ضَوْءٌ خَجُولٌ
عَلَى وَجْهِ أَيَّامِنَا المُتْعَبَةِ،
وَتَتَسَاقَطُ أَوْرَاقُ صَيْفٍ تَخَلَّى،
كَأَنَّ الوُعُودَ تَهَاوَتْ
عَلَى طُرُقَاتٍ نَسَيْنا مَلَامِحَهَا المُنْهَكَةَ.
فِي الرِّيحِ سِرٌّ
يُحَدِّثُنَا عَنْ تَعَبِ الأَشْجَارِ العَجُوزِ،
وَعَنْ قَلْبٍ ظَلَّ يُمْسِكُ مَا لَا يُمْسَكُ،
وَيَخْشَى سُقُوطًا
يَسِيلُ عَلَى الرُّوحِ مِثْلَ نُدُوبٍ
لَا تُرَى… وَتُؤْلِمُ.
هُنَا نَفْهَمُ الدَّرْسَ
بَعْضُ الفُصُولِ تَأْتِي لِتَكْشِفَ ضَعْفَ اليَدِ،
وَفُقْدَانَنَا الصَّامِتَ
لِمَا اعْتَقَدْنَاهُ ثَابِتًا لَا يَمِيلُ.
وَحِينَ يَرْحَلُ،
لَا يَرْحَلُ الخَرِيفُ خَفِيفًا كَمَا جَاءَ
بَلْ يَتْرُكُ وَرَاءَ الخُطَى أَثَرًا
لَا يُمْحَى بِسُهُولَةٍ قَلْبٌ
أَرْهَقَهُ الِانْتِظَارُ...
وَيَتَوَقَّفُ تَسَاقُطُ الأَوْرَاقِ،
وَتُعْلِنُ الأَشْجَارُ انْتِهَاءَ اعْتِرَافَاتِهَا المُرَّةِ،..
فَلَا وَرَقٌ بَعْدُ لِيَسْقُطَ،
وَلَا سِرٌّ بَعْدُ لِيُخْفَى،
فَقَدْ سَقَطَتْ أَوْرَاقُ العَارِ جَمِيعُهَا
عَلَى حَافَّاتِ الطَّرِيقِ.
يَمْضِي الخَرِيفُ...
وَيَتْرُكُنَا نُوَاجِهُ جُذُوعًا عَارِيَةً
لَا تَسْتُرُ شَيْئًا،
وَلَا تَعِدُ بِشَيْءٍ أَيْضًا.
هُنَا…
نُدْرِكُ مَرَارَةَ الخُذْلَانِ كَامِلَةً،
أَنَّ النِّهَايَةَ لَيْسَتْ فَجْرًا دَائِمًا،
بَلْ فَرَاغًا نَقِفُ فِيهِ
وَنَفْهَمُ أَخِيرًا
أَنَّ مَا انْكَسَرَ لَنْ يَعُودَ كَمَا كَانَ،
وَأَنَّ مَا سَقَطَ…
لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّ البَقَاءَ.
وَبِرَحِيلِ الخَرِيفِ
نَخْرُجُ مِنَ الفَصْلِ مُثْقَلِينَ...
وَلَكِنَّنَا أَكْثَرُ وَعْيًا
بِالحُقُولِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي
أَنْ نَعُودَ إِلَيْهَا…
مَرَّةً أُخْرَى