وقفتِ أمامي واليقينُ مُجلجلُ
فبانَ الذي أخفيتِهُ وتبدَّلُ
تظنّينَ أنَّ الصمتَ يُخفي خيانةً
وأنَّ خفايا الغدرِ فيهِ تُجمَّلُ
أهذا الذي كنّا نسميهِ عهدَنا
وقد صارَ وهْمًا في يديكِ يُقتَّلُ
تحدّثتِ عن عذرٍ يُواربُ قولَهُ
وفي عينيكِ الإثمُ كانَ يُمثَّلُ
أُقلّبُ وجهَكِ والظنونُ كثيرةٌ
وأعرفُ أنَّ الزيفَ فيكِ مُوصَّلُ
فلا تلتفتي، قد بانَ كلُّ حقيقتي
وأصبحَ ما أخفيتِهِ يتكشَّفُ
رأيتُكِ تمضينَ الهوى متقلّبةً
كأنَّكِ لا عهدٌ لديكِ يُؤمَّلُ
فكيفَ أُقيمُ الودَّ في قلبِ خائنٍ
وقد صارَ قلبُ الحبِّ فيكِ يُخذلُ
أنا لستُ ممّن يُستباحُ ودادُهُ
ولا من إذا خانَ الحبيبُ يُخذلُ
فإن شئتِ فاذهبي، فقد حُسمَ أمرُنا
ولا رجعةٌ في ما جنى منكِ أوّلُ
وأغلقتُ بابَ القلبِ عن كلِّ خائنٍ
فلا أنتِ فيهِ بعدُ تُذكرُ أو تُوصَلُ
تركتُكِ للدنيا تُجرّ جرائرًا
وسيفُ الجزاءِ في يدِ الدهرِ يُجعلُ
أنا الآنَ أرفعُ عن فؤادي همومَهُ
كأنَّ جراحَ الأمسِ فيها تُغسَلُ
فإن كنتِ تظنينَ الرجوعَ ذريعةً
فإنَّ الذي يُدفنْ حنينًا يُبطلُ
ستدرينَ أنَّ القلبَ حينَ أدارَهُ
عنكِ، أصدقُ من هوىً يُستبدَلُ
وأنَّ الذي يغرسْ خيانةَ قلبِهِ
سيجني الذي قد غرَسَهُ ويُقتلُ
أنا اليومَ أمضي لا أرى غيرَ عزّتي
ومن خانَ عزّي في الحياةِ يُعزلُ
فلا ظلُّكِ الباقي يُحرّكُ ساكنًا
ولا اسمُكِ الماضي على القلبِ يُجملُ
لقد سقطَ العهدُ الذي كنتِ تدّعينَ
فلا عذرَ بعدَ السيفِ حينَ يُفصلُ
ستلقينَ يومًا ما صنعتِ بيدِكِ
ويأتيكِ من ذاتِ الطريقِ المُهملُ
فكم من جديدٍ سوفَ يخدعُ قلبَكِ
ويتركُ فيكِ الجرحَ وهو يُكمَّلُ
فتدرينَ أنَّ الغدرَ ليسَ مهارةً
ولكنَّهُ نارٌ على القلبِ تشتعلُ
أنا لستُ أرجو منكِ عذرًا مؤجَّلًا
فإنَّ اعتذاراتِ الخيانةِ تُغفلُ
ولا أنتِ في قلبي القديمِ ولا غدًا
فقد ماتَ ما بيني وبينكِ يُنقلُ
فاذهبي، فقلبي قد حسمتُ فراقَهُ
ومن خانَ عهدي في الوجودِ يُفصلُ
وأمضي كصخرٍ لا يلينُ لعاتبٍ
ولا الريحُ في عزمِ الثباتِ تُبدّلُ
رأيتُكِ تمضينَ الحياةَ كأنّني
غريبٌ على دربِكِ لا يتأملُ
وكنتِ إذا ما جئتِ تسبقُكِ المنى
فأمسى الذي كانَ الرجاءُ يُبدَّلُ
تغيّرتِ حتى صارَ في النبرِ قسوةٌ
وفي العينِ سرٌّ للغوايةِ يُرسلُ
أحاولُ فهمَ البعدِ منكِ فتنثني
حروفي، ويبقى في الحشا ما يُسجَّلُ
أأنتِ التي كانت تذيبُ صلابتي
فأمسى فؤادي منكِ اليومَ يُخذلُ
لقد كنتِ لي معنى الحياةِ إذا دنتْ
فأضحى الذي بيني وبينكِ يُفصلُ
رأيتُ الذي يأتيكِ في صمتِ منزلهِ
كأنَّ لهُ في الروحِ بابًا يُغلقُ
فلم أتهمْكِ، غيرَ أنَّ ملامحًا
تبوحُ بما تخفينَ حينًا وتخجلُ
سألتُكِ عمّا كانَ بيني وبينَنا
فأطفأتِ صدقَ القولِ وهو يُبجَّلُ
فلم أجدِ التفسيرَ إلا خيانةً
توارى وراءَ الصمتِ حتى يُكمَّلُ
وما كنتُ أرضى أن أكونَ بموضعٍ
يُهانُ بهِ القلبُ الذي كانَ يُسألُ
فودّعتُ ما قد كانَ بيني وبينَكِ
وصرتُ كصخرٍ لا يلينُ ويُعزلُ
أجرّ وراءي كلَّ شوقٍ مُبعثرٍ
وأتركُ قلبًا في الضلوعِ يُبدَّلُ
فإن كان ذنبُ الحبِّ أني صدقتُهُ
فإنّي على صدقِ الفؤادِ أُفضَّلُ
وإن كانَ صمتي حينَ خانَكِ هيبتي
فإنَّ السكوتَ الحرَّ أسمى وأجملُ
سأمضي كما تمضي الرياحُ إذا انطوتْ
على جرحِها، لا تستكينُ ولا تُغفَلُ
ولا ألتفتْ خلفي، فقلبي جريحُهُ
ولكنَّ مجدي في الفراقِ مُكمَّلُ
وأنا الذي أمضي بعزٍّ مخلَّدٍ
إذا انثنى غيري في الهوانِ يُبدَّلُ
تمّت، وقد أبقيتُ عزّي مهيبًا
فمن خانَ عهدي في المدى لا يُقبَلُ