تخطَّ إلى المحتوى

لم يكن اسمه يكتب على الجدران

شعر التفعيلة

٦٩ بيت

الحماسة

لم يكن اسمه يُكتَبُ على الجدران…

بل كانت الأرضُ تحفظهُ في سرِّها،

كما تحفظُ الأمُّ اسمَ وليدها الأول…

دون أن تنطق...

رأيتهُ مرّةً…

أو لعلّي لم أرهُ،

بل رأيتُ أثرهُ حين مرَّ…

كان الطريقُ أكثرَ طُهْرًا،

والهواءُ أكثرَ خُشوعًا،

وكأنَّ شيئًا من السماءِ

سقطَ خفيفًا… ولم ينكسر.

كان يمشي…

لا، بل كان يَغْرِسُ خطاهُ،

كأنَّهُ يُعلِّمُ الأرضَ كيف تُزهرُ من جديد.

وجهُهُ لم يكن حزينًا،

لكن عينيهِ…

كانتا تعرفان النهاية،

وتُخفيانها بابتسامةٍ تُشبهُ الوصايا الأخيرة.

قالت لي الريحُ عنه..

إنَّهُ لا يخاف…..

وقلتُ للريح..

بل إنَّهُ يُؤمِن…

ومن يؤمن… لا يعرفُ الخوف.

في الليلةِ التي سبقتهُ إلى الغياب،

جلسَ وحدهُ…

لم يكتب رسالة،

ولم يودّع أحدًا،

فالشهداءُ لا يُجيدون الوداع…

هم فقط…

يُحسنون اللقاء الأخير مع الله.

كان صدرُهُ مفتوحًا

كنافذةٍ تُطلُّ على السماء،

وحين جاءتهُ الرصاصة…

لم تُصِبْهُ،

بل عادت إلى أصلها…

كأنَّها تابت.

سقطَ…

أم ارتفع..

لا أدري…

لكنّي رأيتُ الأرضَ تحتضنهُ

كما لو أنّها تستعيدُ طُهْرها الضائع.

في صباحٍ آخر،

مررتُ بالمكان…

لم أجدْ جسدًا،

لكنّي وجدتُ حياةً تنبتُ في التراب،

وجدتُ وردًا لم يكن هنا من قبل،

ووجدتُ قلبي…

أكثرَ إيمانًا.

قالوا ... مات.

وابتسمتُ…

لأنّي رأيتُهُ

يمشي في وجوهِ الأطفال،

ويضحكُ في عيونِ الأمهات،

ويُصلّي في كلِّ قلبٍ لم ينكسر.

الشهداءُ يا صديقي…

لا يُدفنون،

بل يُزرَعون…

لينبتَ من دمهم

وطنٌ

لا يموت.

وهكذا…

حين يُقالُ إنَّ الأرضَ طاهرة،

فاسألوا عنها…

عن أولئك الذين مرّوا عليها خفافًا،

وتركوا فيها

كلَّ هذا النور.

هنا…

لا ينتهي الحكاية،

بل تبدأ.