كلُّ الشُّعراءِ كاذبون… إلّا أنا
أنا الكذبةُ الوحيدةُ التي تقولُ الحقيقةَ
والحقيقةُ الوحيدةُ التي تتنكّرُ في ثوبِ القصيدة
هم يكتبونَ عن الحبِّ
كما تُكتبُ نشرةُ الطقس
(احتمالُ وردٍ خفيف
مع غيومٍ من مجاملات)
وأنا
حين أكتبُ امرأةً
تسقطُ من الورقِ شهيدةً
وينزفُ الحبرُ من أصابعي
ولا أمتلكُ منديلًا أُسعفُ به قلبي
كلّهم يدّعونَ الجنون
لكنّهم يعودونَ إلى بيوتهمِ المرتَّبة
وإلى زوجاتٍ يشبهنَ فواصلَ لغويّة
وإلى حياةٍ بلا علاماتِ تعجّب
أمّا أنا
فحين أحبُّ
تستقيلُ المدنُ
من خرائطها
وتخلعُ القوانينُ قمصانها
ويبقى في الساحةِ قلبي
عارياً
يركضُ خلف صوتِك
كلُّ الشُّعراءِ كاذبون … إلا أنا
هم يقولون:
أحبُّكِ...
كما تُكتبُ بطاقةُ تهنئة
في عيدٍ لا يعرفونَ تاريخه
وأنا أقولها
فتنفجرُ النوافذ
ويتلعثمُ الفجر
ويغارُ المجاز
من صراحتي
هم يغزلونَ أوصافَكِ
من معجمٍ مشترك
وأنا أسرقُ مفرداتي
من انحناءةِ ظهركِ
ومن ارتباكِ أنفاسكِ
حين أقترب
أنا الشاعرُ الذي لا يُشبهُ أحدًا
ولا يريدُ أن يتعلّمَ الشَّبَه
أنا كاذبٌ أمام العالم
وصادقٌ جدًا
حين أنظرُ في عينيكِ
كلُّ الشُّعراءِ كاذبون … إلّا أنا
لأنني لا أُجيدُ التمثيلَ أمام قلبي
ولا أحفظُ أدوارَ العشّاقِ المزيّفين
أنا أخلعُ قناعِي
قبلَ أن أخلعَ قصيدتي
وأقفُ أمامكِ عاريًا
إلّا من صدقي
هم يجمّلونَ الهزيمةَ بالكلمات
وأنا أسمّيها هزيمة
وأتركها تنامُ على صدري
هم يكتبونَ عن الدموع
وأنا أغرقُ فيها
حتى تُصابَ اللغةُ بالاختناق
هم يقولون:
امرأةٌ واحدة … لا تكفي،
وأنا أقول:
امرأةٌ واحدة
زيادةٌ عن حاجتي من العالم
هم يتغزّلونَ بزهورٍ لا يعرفونَ رائحتها
وأنا أعرفُ عددَ شعيراتكِ
وأعرفُ في أيّ مساءٍ
تخذلينَ المرايا … وتصدقينني
هم يطلبونَ من الحبِّ أن يكونَ مهذّبًا
وأنا أريدهُ فوضى
زلزالًا
حريقًا جميلًا
لا يتركُ خلفهُ غير رمادي
الذي سأرسمُ به وجهكِ من جديد
هم يخافونَ النِّهاية
وأنا أكتبها
ثم أمضي إليها مبتسمًا
كمن وجدَ اسمكِ محفورًا
على آخرِ العمر
يقولون:
الشعرُ زينة:
وأقول:
الشعرُ لعنة
ومحبوبتي
أجملُ لعنةٍ أصابتني
هم يكتبونَ النساءَ
وأنا أُصلّي لامرأة
هم يرونَ في الحبِّ لعبةً
وأنا أراهُ قدري
وحين يعترضونَ طريقي
أرفعُ قصيدتي في وجوههم
وأصرخ:
تنحّوا …
فإنّ العشقَ يمرُّ من هنا
أنا الشاعرُ الكذّاب … نعم
أكذبُ حين أقولُ إنني بخير
وأكذبُ حين أقولُ إنني نسيتُكِ
وأكذبُ حين أقولُ إنكِ تشبهينَ غيركِ
لكنني الصادقُ الوحيد
حين أكتبُ اسمكِ
برعشةِ يدٍ
بلغتي … بذنبي … بجنوني
كلهم يشبهونَ بعضهم
حتى في الكذب
حتى في الحب
حتى في الألم
وأنا …
أنا لا أشبهُ أحدًا
ولا أريدُ أن أشبههم
أنا الذي لا أكتبُ القصيدة
بل أحياها
كما تحيا الخطيئةُ الأولى
وكما تُسرقُ قبلةٌ
من فمٍ لم يكن مستعدًّا بعد
أنا الذي إذا أحبَّ
ألغى المعاهدات
وأعلنَ الحربَ على المنطق
وشنَّ هجومًا عاطفيًا
لا ينجو منهُ أحد
هم يحبّونَ النساءَ كمدنٍ سياحية
وأنا أحبُّكِ كوطن
هم يرحلون بسهولة
وأنا أُجيدُ البقاء … ولو على وجعي
هم يكتبونَ الغزلَ
وهم ينظرونَ في السقف
وأنا أكتبُهُ
في عينيكِ المرتبكتين
وأتلعثمُ
لأنّ الصدقَ حين يتعرّى
يربكُ حتى الشعراء
أنا شاعرُ الحافة
الذي يقفُ بين الجنون والحب
ويضحكُ منهما … ثم يقفزُ نحوكِ
وحين أقولُ: اشتقتُ...
أعني أن الهواءَ ناقص
وأن قلبي
يمشي في مدُنٍ لا تعرف اسمها
وحين أقولُ: أحبُّكِ
أعني
أنني وقّعتُ نهايتي
بكلِّ وعي
وبكلِّ رغبة
وبكلِّ ابتسامة متمرّدة
وأخيرًا …
رغم كل هذا الصخب في صدري
ورغم كل ادّعائي بالقسوة
اكتشفتُ فجأةً
أنني لا أريدُ أكثر من لحظةٍ عاديّة
تجلسينَ فيها إلى جواري
وتضحكين من جنوني
وتقولين:
اهدأ … أنت بخير
كلُّ الشُّعراءِ كاذبون … إلّا أنا
ليس لأنني أصدقهم قولًا
بل لأنني، على طريقتي الفوضويّة،
ما زلتُ أؤمنُ
أنَّ امرأةً واحدة
قادرةٌ أن تُنقذَ العالم
وأنَّ قصيدةً واحدة
قادرةٌ أن تُصلحَ يومًا مكسورًا
وأنني … حين أكتبكِ الآن
لا أكتبُ وجعًا
ولا ثورة
ولا تمردًا
بل أكتبُ ابتسامةً
تشبهُ الشمس
حين تُقرّر أخيرًا
أن تبقى
أنا الشاعرُ الكذّاب في الحب … نعم
لكنني الليلة
قرّرتُ أن أقول الحقيقة كاملة:
أحبُّكِ
ولا أريدُ من الشعر
أكثر من أن يجمعنا
في سطرٍ واحد
وفي عمرٍ واحد
وفي ضوءٍ
لا ينطفئ
والحمدُ لله…
الذي جعلَ من كذبتي
أجملَ صدق نظمته.