آثارُ مجدِكَ لا تزالُ مَزارا
أملُ الحضارةِ أنْ تكونَ منارا
ما شَعْشعتْ حِقَبُ الزمانِ وأومضَتْ
إلاّ وكنتَ لبرقِها أنوارا
تمضي بكَ الأيامُ وهْيَ عَوابسٌ
فَمسحتَ عنها دمعَها المِدرارا
وطوَيتَ عنها حُزنَها وشجونَها
فزرَعْتَ في مُقَلِ العيونِ وقارا
وأسَلْتَ في قَيضِ الصحاري مَنبعا
حتى بدى مِن فيضِه أنهارا
وتغازلَتْ طربا على فَنَنِ العُلا
شجوُ الحمائمِ تذكرُ الأسفارا
وكأنَّ ترجيعَ الهوى في شَجوِها
نَوحُ الثكالى يوقظُ التذكارا
لمدائحي إنْ ظلَّ مدحُك مُلزِما
شَفقٌ يُصارِعُ في السماءِ مَدارا
وكأنَّها خَلَجَاتُ قلبيَ جَمرةً
تُذكي بيَ النيرانَ والأشعارا
فيعودُني طيفٌ أضاعَ عُروشَه
بسفاهةِ الثَّمِلِ المُضَيِّعِ دارا
أكبرتُ صبرَك إذ يبينُ ثواؤه
وعلى الكراهةِ عزَّة وفخارا
حتى مضى مستعصِما ببسالةٍ
خوفَ الملامَةِ إنْ أكنّ فِرارا
فركَبتَ موجَ البحرِ حينَ تعاظَمت
ظُلماتُه وأطالَ فيكَ دُوارا
تسعى إلى عالي النجومِ تُعيبها
لعلائِها فعلوتَها إصرارا
أنتَ الرجاءُ لكلِّ مَن طَلَبَ العُلا
وملاذُ مَن مَلأوا الدجى أنوارا
حتى إذا وَطَأَ الظلامُ مرابعا
وتربَّعَ الظلمُ اللئيمُ ديارا
وَبَدَت نواجِذُ لُؤْمِه مسمومةً
والابتسامُ يَزيدُها إنكارا
لاحَتْ مِن الأُفُقِ البعيدِ غمامةٌ
تمحو عن الوطنِ الكريمِ نهارا
وتهافتَت حِمَمُ الرذيلةِ فوقَه
ما للضمائرِ تسكنُ الأوجارا
وذَهَلْتَ مِمَّن عاهدوكَ بألسُنٍ
وقلوبُهم شتّى تخونُ ذِمارا
وشَرَوا ضمائرَهم وعزَّة بأسِهم
بدراهمٍ أفنوا لها الأعمارا
تركوكَ يا وطنَ الإباءِ واُشرِبوا
كأسَ الرذيلةِ اُترعَت أوزارا
خانوا العروبةَ والمبادئ كلَّها
واستسلموا لعدوِّهم أخيارا
ما ضرَّ مجدَكَ يا عراقُ كريهة
فنزيفُ جرحِكَ لا يزالُ منارا
فيكَ الألى عشقوا الرَّدى ببسالةٍ
وكأنَّهم أُسْد الشّرَى تتبارى
وهبوا العراقَ دماءَهم وحياتَهم
كَرَمُ المُروءةِ زادَهم إصرارا