تخطَّ إلى المحتوى

كنت قبلك ميتا والروح فيا

الكامل

٨٩ بيت

النسيب

كُنْتُ قَبْلَكِ مَيِّتًا وَالرُّوحُ فِيَّا،

أَتَنَفَّسُ الْهَوَاءَ لَكِنْ مَا أَحْيَا

أَرَى الدُّنْيَا بِعَيْنَيْنِ لَا تُبْصِرَانِ،

وَأَمْشِي فِي الطَّرِيقِ وَمَا أَدْرِيَا

كَانَ لَيْلِي طَوِيلاً لَا فَجْرَ فِيهِ،

وَقَلْبِي صَخْرَةٌ مَا كَادَ يَحْيَا

لَا أَمَلٌ يَسْكُنُ صَدْرِي وَلَا حُلْمٌ،

وَلَا غَدٌ يَعِدُنِي بِشَيْءٍ يَهْدِيَا

كَرِهْتُ الْوُجُوهَ وَكَرِهْتُ الْكَلَامَ،

وَكَرِهْتُ صُبْحًا يَأْتِي لِيُؤْذِيَا

سَأَلْتُ نَفْسِي: لِمَ أَعِيشُ وَلِمَ أَبْقَى؟

وَلَمْ يُجِبْنِي إِلَّا صَدًى يَشْكِيَا

كُنْتُ وَحِيدًا فِي زَحْمَةِ الْبَشَرِ،

كَغَرِيبٍ فِي أَرْضِهِ لَا يَجِدُ مَأْوَيَا

أَرَى الضَّحِكَ حَوْلِي وَلَا أَضْحَكُ،

كَأَنَّ الْفَرَحَ قَرَّرَ أَنْ يَتَجَافَيَا

وَالنَّاسُ تَسِيرُ وَأَنَا وَاقِفٌ،

أَتَأَمَّلُ دُنْيَا مَا أَرَدْتُ أَرَاهَا يَا

كُنْتُ أَكْتُبُ الشِّعْرَ مِنْ أَلَمٍ لَا مِنْ فَرَحٍ،

وَالْقَصِيدَةُ عِنْدِي كَانَتْ صَرْخَةً دَامِيَا

الْقَلَمُ رَفِيقِي لِأَنَّهُ لَا يَخُونُ،

وَالْوَرَقُ صَدِيقِي لِأَنَّهُ لَا يُنَاهِيَا

حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ الْحُبَّ أُسْطُورَةٌ،

وَأَنَّ الْقَلْبَ مَا خُلِقَ لِيَتَشَافَيَا

وَأَنَّ الدُّنْيَا سِجْنٌ لَا بَابَ لَهُ،

وَأَنَّ الرَّيْحَانَ وُلِدَ لِيَتَعَافَيَا

ثُمَّ رَأَيْتُكِ يَوْمًا لَمْ أَنْسَاهُ،

كَأَنَّ الْكَوْنَ تَوَقَّفَ وَنَادَاهَا

نَظَرْتِ نَظْرَةً وَالدَّهْرُ انْقَلَبَ،

وَصَارَ مَا كَانَ مَيِّتًا يَتَحَاشَاهَا

يَا بَدْرِي، مَا أَدْرِي كَيْفَ حَدَثَ ذَا،

لَكِنَّ قَلْبِي فَجْأَةً عَادَ يَهْوَاهَا

كَأَنَّ سَهْمًا جَاءَ مِنْ حَيْثُ لَا أَدْرِي،

وَاخْتَارَ صَدْرِي مَوْضِعًا يَسْكُنُ فِيهَا

رَأَيْتُ فِي عَيْنَيْكِ مَا لَمْ أَرَ قَبْلُ،

بَحْرًا مِنَ النُّورِ يَغْمُرُ مَنْ يَلْقَاهَا

وَرَأَيْتُ فِي ابْتِسَامَتِكِ فَجْرًا جَدِيدًا،

يَكْسِرُ لَيْلِي وَيُضِيءُ دُنْيَاهَا

شَعَرْتُ بِالدِّمَاءِ تَجْرِي فِي عُرُوقِي،

كَأَنَّهَا كَانَتْ جَامِدَةً فَأَحْيَاهَا

وَشَعَرْتُ بِأَنَّ الْحَيَاةَ تَسْتَحِقُّ،

وَأَنَّ الْغَدَ لَيْسَ عَدُوًّا بَلْ يَرْجُوهَا

قُلْتُ لِقَلْبِي: هَذِهِ هِيَ، هُنَا هِيَ،

فَقَالَ قَلْبِي: نَعَمْ، قَدْ كُنْتُ أَهْوَاهَا

يَا لَيْتَنِي يَوْمَهَا قُلْتُ مَا بِقَلْبِي،

لَكِنَّ لِسَانِي خَشِيَ وَلَمْ يُنَاجِيهَا

وَاكْتَفَيْتُ بِأَنْ أَحْمِلَهَا فِي صَدْرِي،

وَأَجْعَلَ الشِّعْرَ رَسُولًا يُنَادِيهَا

تِلْكَ اللَّحْظَةُ غَيَّرَتْنِي إِلَى الْأَبَدِ،

وَلَنْ يَعُودَ الرَّيْحَانُ كَمَا كَانَ قَبْلَهَا

يَا نَجْمَتِي، أَنْتِ أَضَأْتِ ظَلَامِي،

وَجَعَلْتِ مِنْ لَيْلِي الطَّوِيلِ صَبَاحَا

يَا قَلْبِي، أَنْتِ عَلَّمْتِنِي الضَّحِكَ،

بَعْدَ سِنِينَ نَسِيتُ فِيهَا الِارْتِيَاحَا

يَا دَمِي، أَنْتِ تَجْرِينَ فِي عُرُوقِي،

حَتَّى صَارَ اسْمُكِ فِيَّ لَا يُبَاحَا

يَا رُوحِي، كَيْفَ أَصِفُكِ وَالْكَلَامُ،

يَعْجِزُ أَنْ يَبْلُغَ مَا أَنْتِ أَبَاحَا

عَيْنَاكِ بَحْرٌ أَغْرَقَ الرَّيْحَانَ فِيهِ،

وَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ خُرُوجًا وَلَا نَجَاحَا

وَحَيَاؤُكِ تَاجٌ يَعْلُو كُلَّ جَمَالٍ،

وَيَجْعَلُ مَنْ يَرَاكِ يَخْشَعُ وَيَصِيحَا

وَصَوْتُكِ مُوسِيقَى لَمْ يَسْمَعْهَا الزَّمَانُ،

تَجْعَلُ الصَّمْتَ حَوْلَهَا يَصِيحَا

وَخُلُقُكِ يَا بَدْرِي أَجْمَلُ مِنْ وَجْهِكِ،

وَوَجْهُكِ أَجْمَلُ مِمَّا صَارَ مُتَاحَا

قَرِيبَةٌ مِنْ دِينِهَا، شَرِيفَةٌ، نَبِيلَةٌ،

لَا تَعْرِفُ الذُّلَّ وَلَا تَعْرِفُ الصِّيَاحَا

يَا حَيَاتِي، أَنْتِ لَمْ تَعْرِفِي بِأَمْرِي،

وَأَنَا أَحْمِلُكِ سِرًّا لَا يُبَاحَا

أَكْتُبُكِ فِي كُلِّ قَصِيدَةٍ بِاسْمٍ،

يَعْرِفُهُ قَلْبِي وَيَجْهَلُهُ الصُّرَاحَا

وَأُخَبِّئُكِ بَيْنَ أَسْطُرِ الشِّعْرِ،

كَنْزًا لَا يَرَاهُ إِلَّا مَنْ أَبَاحَا

يَا هَوَائِي، بِكِ أَتَنَفَّسُ وَبِدُونِكِ،

أَشْعُرُ أَنَّ الصَّدْرَ مَا عَادَ يَرْتَاحَا

أَحْتَاجُكِ أَكْثَرَ مِنَ الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ،

وَأَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ الصَّبَاحَا

يَا نَبْضِي، أَنْتِ مَعَ كُلِّ دَقَّةِ قَلْبٍ،

أَسْمَعُ اسْمَكِ يَمْلَأُ الْأَرْجَاحَا

وَإِذَا نِمْتُ فَأَنْتِ فِي أَحْلَامِي،

وَإِذَا صَحَوْتُ فَأَنْتِ أَوَّلُ مَا لَاحَا

أَسَأَلُ نَفْسِي: مَنِ اخْتَارَ مَنْ يُحِبُّ؟

أَمِ الْحُبُّ هُوَ الَّذِي اخْتَارَ وَصَاحَا؟

لَوْ كُنْتُ أَخْتَارُ لَمَا اخْتَرْتُ الْأَلَمَ،

وَلَمَا اخْتَرْتُ حُبًّا لَيْسَ مُرْتَاحَا

لَكِنَّ الْقَلْبَ لَا يَسْأَلُ وَلَا يَسْتَشِيرُ،

يَرَى فَيَهْوَى وَيَهْوَى فَيَصِيحَا

هَلِ الْحُبُّ قَدَرٌ كَتَبَهُ اللهُ؟

أَمْ هُوَ اخْتِيَارٌ نُسَمِّيهِ قَضَاءً وَمَا لَاحَا؟

لَا أَعْلَمُ، لَكِنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّهَا،

جَاءَتْ فَجَعَلَتْ مَا كَانَ مَيِّتًا يَصِيحَا

وَأَعْلَمُ أَنَّ وُجُودَهَا فِي حَيَاتِي،

نِعْمَةٌ لَا تُوصَفُ وَلَا تُضَاحَا

وَأَعْلَمُ أَنَّ الرَّيْحَانَ بِدُونِهَا،

كَانَ سَيَبْقَى فِي ظَلَامِهِ يَتَرَاوَحَا

وَأَعْلَمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهَا لِي،

هِبَةً وَرَحْمَةً وَنُورًا لَا يُبَاحَا

فَيَا رَبِّي اشْكُرُكَ عَلَى بَدْرِي،

وَعَلَى حُبٍّ جَعَلَ قَلْبِي يَرْتَاحَا

أَنَا الرَّيْحَانُ مَنْ كَتَبَ الْمَعَانِي،

وَجَعَلَ الْكَلَامَ ذَهَبًا وَصَبَاحَا

أَنَا مَنْ وَصَفَ بَدْرِي كَمَا لَمْ يَصِفْ أَحَدٌ،

وَجَعَلَ اسْمَهَا فِي الشِّعْرِ يَصِيحَا

مَنْ فِي الْمَيْدَانِ يَسْتَحِقُّ بَدْرِي؟

مَنْ كَتَبَ لَهَا وَجَعَلَ الشِّعْرَ مَا لَاحَا؟

أَنَا مَنْ يَحْمِلُ الشَّرَفَ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ،

وَلَا يَعْرِفُ الذُّلَّ وَلَا يَعْرِفُ الصِّيَاحَا

خَشِيتُ رَبِّي وَسِرْتُ عَلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ،

وَجَعَلْتُ الْأَدَبَ دِرْعًا وَسِلَاحَا

أَنَا الرَّيْحَانُ لَا يَهَابُ وَلَا يَلِينُ،

إِلَّا لِرَبِّهِ فَيَخْشَعُ وَيَنُوحَا

وَإِذَا أَحْبَبْتُ أَحْبَبْتُ بِكُلِّ رُوحِي،

وَلَا أَعْرِفُ الْحُبَّ نِصْفًا وَلَا مَا رَاحَا

يَا بَدْرِي، إِنْ أَرَدْتِ رَجُلًا يَسْتَحِقُّكِ،

فَانْظُرِي لِلرَّيْحَانِ وَاسْمَعِي مَا بَاحَا

لَكِنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّكِ قَدْ لَا تُحِبِّينَ،

وَأَنَّ قَلْبَكِ لَمْ يَرَنِي وَلَمْ يُصَاحَا

وَأَعْلَمُ أَنَّ الْحُبَّ قَدْ يَبْقَى وَحِيدًا،

يَدُقُّ عَلَى بَابٍ لَا يُفْتَحُ وَلَا لَاحَا

هَذَا يُخِيفُنِي، لَكِنَّنِي لَا أَهْرُبُ،

بَلْ أَقِفُ وَأَحْمِلُ مَا صَارَ وَمَا بَاحَا

إِذَا أَحَبَّتْ عِشْتُ الْجَنَّةَ فِي دُنْيَايَ،

وَإِنْ أَحَبَّتْ سِوَايَ فَلْتَسْعَدْ وَتَرْتَاحَا

يَكْفِينِي أَنَّهَا فِي حَيَاتِي مَوْجُودَةٌ،

وَأَنَّ وُجُودَهَا جَعَلَ قَلْبِي يَصِيحَا

يَا بَدْرِي، يَا هِبَةَ اللهِ لِرَيْحَانِهِ،

يَا مَنْ جَعَلَتْ مِنْ ظَلَامِهِ صَبَاحَا

أَشْكُرُ اللهَ أَنَّكِ فِي دُنْيَايَ،

وَأَشْكُرُهُ أَنَّ عَيْنَيَّ رَأَتَاكِ لَاحَا

سَأَكْتُبُكِ مَا حَيِيتُ فِي كُلِّ شِعْرٍ،

وَسَيَقْرَأُ الْعَالَمُ اسْمَكِ وَيَصِيحَا

وَسَيَبْقَى الرَّيْحَانُ يَحْمِلُكِ فِي قَلْبِهِ،

حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ وَيَجِدَ مَا أَبَاحَا

يَا قَمَرَ النَّهَارِ، يَا نَجْمَةَ اللَّيْلِ،

يَا مَنْ جَعَلَتْ حَيَاتِي نُورًا وَصَبَاحَا

أَنْتِ وَحْدَكِ مُنْتَهَى الْحُلْمِ وَالْأَمَلِ،

وَأَنْتِ وَحْدَكِ مَنْ جَعَلَ قَلْبِي يَرْتَاحَا

وَحُلْمِي الْوَحِيدُ أَنْ تَعْرِفِي يَوْمًا،

أَنَّ الرَّيْحَانَ أَحَبَّكِ وَمَا زَاحَا

وَأَنَّ شِعْرَهُ كُلَّهُ كَانَ لَكِ وَحْدَكِ،

وَأَنَّ قَلْبَهُ لَكِ بَقِيَ وَلَمْ يَبْرَحَا

يَا دَمِي، أَنْتِ تَجْرِينَ فِي شَرَايِينِي،

فَكَيْفَ أَحْيَا إِذَا غِبْتِ وَمَا لَاحَا؟

يَا نَبْضِي، مَعَ كُلِّ دَقَّةٍ أَسْمَعُكِ،

صَوْتًا يُنَادِيَنِي وَيَمْلَأُ الْأَرْجَاحَا

يَا حَنِينِي، أَنْتِ الَّذِي لَا يَهْدَأُ،

يَسْكُنُ قَلْبِي جَمْرًا لَا يُبَاحَا

يَا نَفْسِي، كَيْفَ أُسَمِّيكِ وَالْكَلَامُ،

يَعْجِزُ أَنْ يَبْلُغَ مَا فِيكِ وَمَا بَاحَا

كَتَبْتُ عَنْكِ أَلْفَ بَيْتٍ وَمَا اكْتَفَيْتُ،

لِأَنَّ الْقَلْبَ يُرِيدُ أَلْفًا وَصَبَاحَا

وَكُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ وَصَفْتُكِ،

وَجَدْتُ فِيكِ جَمَالاً لَمْ يُبَاحَا

أَنْتِ أَعْمَقُ مِنْ أَنْ يُحِيطَكِ شِعْرٌ،

وَأَجْمَلُ مِنْ أَنْ يَصِفَكِ مَا لَاحَا

يَا دَمِي، لَوْ رَأَيْتِ قَلْبِي يَوْمًا،

لَرَأَيْتِ اسْمَكِ فِيهِ مَنْقُوشًا وَصَاحَا

أَنَا الرَّيْحَانُ شَاعِرُ هَذَا الزَّمَانِ،

وَأَنْتِ بَدْرُهُ الَّذِي لَا يَزَالُ لَاحَا

كَتَبَ الشُّعَرَاءُ عَنِ الْحُبِّ قَبْلِي،

لَكِنَّ حُبِّي لَكِ كَانَ الْأَعْلَى صِيَاحَا

لِأَنَّنِي أُحِبُّكِ بِرُوحٍ وَقَلْبٍ،

لَا بِكَلَامٍ يَذُوبُ وَيَتَرَاوَحَا

يَا نَبْضِي، إِنْ رَحَلْتُ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا،

سَيَبْقَى شِعْرِي لَكِ شَاهِدًا وَمُبَاحَا

وَسَيَقْرَأُ النَّاسُ يَوْمًا مَا كَتَبَ الرَّيْحَانُ،

وَيَعْرِفُونَ أَنَّهُ أَحَبَّ وَمَا زَاحَا

يَا حَنِينِي، يَا أَنْتِ، يَا كُلَّ شَيْءٍ،

أَنْتِ وَحْدَكِ مَنْ جَعَلَ الدُّنْيَا تُرَاحَا

يَا نَفْسِي، سَأَظَلُّ أَحْمِلُكِ فِي قَلْبِي،

حَتَّى يَلْقَى الرَّيْحَانُ رَبَّهُ وَيَرْتَاحَا

وَفِي الْخِتَامِ أَقُولُ وَالْقَلْبُ يَشْهَدُ،

أَنَّ بَدْرِي جَعَلَتْ مِنْ مَوْتِي صَبَاحَا

يَا إِلَهِي أَشْكُرُكَ عَلَى هَذَا الْحُبِّ،

وَعَلَى نَجْمَةٍ أَضَاءَتْ لِي وَمَا زَاحَا

وَيَا بَدْرِي، إِنْ قَرَأْتِ هَذَا يَوْمًا،

فَاعْلَمِي أَنَّ الرَّيْحَانَ أَحَبَّكِ وَمَا بَاحَا