حبيباً فقدتُ بعمرِ السحرْ
وعشتُ الوداعَ وداع الصورْ
فلو كنْت أعْرفُ يوْمَ الفراقِ
لنحْتُ بدمْعٍ يفتُّ الصخرْ
ثلاثون عاماً تمرُّ دهورًا
ولا زلتُ أسْألُ عنه الأثرْ
وأبحثُ عنه بحلكِ السجونِ
بكلّ البقاعِ وعند الحفرْ
سألتُ الحوادث أين أراه؟
أجابَت ضياءً لنورِ القمرْ
بكلّ رياضِ تراه بهاءً
وزهرًا زهيًّا بفوْحٍ عطرْ
بركبِ التقاةِ لدربِ الجهادِ
تراه يشدُّ متاعَ السفرْ
حماماً تراه برأسِ القبابِ
وسيفاً خضيباً بكفِ الظفرْ
وجذوة فأسٍ بأيدي العبيدِ
إليها القيودُ تُراب الحجرْ
وأين ثراه؟ أجابت بأرضٍ
بناها الربيعُ وأفقٌ مطِرْ
رأيتك رمزًا لكفِّ الكرامِ
وشدْوًا يدوّي بفيهِ البشرْ
فما لك قبرٌ يُزارُ، ولكنْ
ثراك العراقُ الأبّي الأغرْ
فلا البحر ضمّ الرفاتَ فيروي
ولا الأرضُ ضمّت فيعلو الثمرْ
رفاتك روضٌ بأرض القفاري
وبئرٌ يُفيضُ جذورَ الشجرْ
وأنت الشموسُ لفجرٍ يشافي
إذا للّيَالي يعزّ السحرْ
رأيتَ العقيدة تُدمى فقمْت
ولم تخش بُدًّا ركوبَ الخطرْ
صعدْتَ لحبلِ المنايا صبورًا
وثغرك يتلو عظيمَ السورْ
سموت بحبلِ الحياة بشوشًا
فحبلُ الشهادةِ للمنتصرْ
أخي قتلوك فكان الرحيلُ
كيومِ الولادةِ بعد العَسِرْ
تعيشُ الحياةَ وتحيا الجنانَ
وزجّوا خلودًا بنار السقرْ
حضنت الشبابَ بشوقٍ ولكنْ
عجلتَ الشهادةَ كي تختصرْ
وأمّك تبكي بدمع الشموخِ
وأختك فخرًا تصوغُ الخبرْ
ويُكتب فيك نجاح النشيدُ
وتعزفُ لحنًا جراحُ النصرْ
ويُجمل جيلٌ لجيلٍ عطاك
فتعلو الحبالَ ليومِ الحشرْ
لنحيا بذكرك والمتّقين
هداةً وذاقَ الطغاةُ الكدرْ
فما قتلوك ولكنْ تمنّوا
فكيف الظلامُ يواري القمرْ
فتبّاً لهم منْ جُناةٍ عبيدٍ
كلابٍ لملّاكها تستعرْ
تٌسابقُ أسيادها لاِصطيادٍ
وتعطى الفتاتَ وعظمَ الدُبُرْ
تناسوا بإنّ الجراحَ سيوفٌ
وأغمادها ناصيات الكُفُرْ
سيوفٌ إلى الخانعين تنادي
ألا من غيورٍ يبرُّ النَحَرْ
ألا من أكفّ تتوقُ لعزٍّ
وعزمٍ يفكُّ قيودَ الأسرْ
لثأرك تصبو التقاةُ ونقفو
وكلّ زمانٍ يدقُّ الوترْ
نجاح أخي يا نسيم الربيع
ويا برعماً صارَ حلو الثمرْ
ويا دعوة الشاتلين الفيافي
لجدبٍ صداهم فيأتي المطرْ
فما طال ليلٌ بجرحٍ، ولكنْ
بنورِ الجراحِ الدجى تستنرْ
فلا العزّ يُعطى بدون الدماءِ
ولا العتق يُعطى بلا مُقتدَرْ