يا أمة ...
كلما رأيت ذلك الطفل الصغير من غزة إبان محرقتها يصرخ على شاشة الجزيرة ( بابا ، بابا ) حزنت وبكيت بحرقة ، حيلة من لا حيلة له :
اللهَ يا بابا تهز مسامعي
كم أقلقت نومي بحَرِّ مضاجعي
وأكاد يا كبدي أذوب مرارة
ويكاد يقتلني أنين مواجع
أهلي وما عدنا نؤمل ودهم
فالأهل تاهوا في خلاء بلاقع
والشرق مسلوب الإرادة قيده
أدمى لساق أو لرسغ خانع
وبمثلما خنعت ضمائر أمة
خنعت لها الأطراف وقت معامع
فكأننا في حال ذل دائم
وكأننا في حال فدم ضائع
يا قسوة الدنيا بيوم كريهة
وأنا سلاحي عند ذاك مدامعي
يا أمة سكتت وما حفظت لنا
إلاً ولا تحمى لطفل يافع
يا أمة تقسو على أبنائها
وتقيم ودّا للعدو الطامع
يا أمة تنسى لتاريخ الرجا
ل وما لها من نخوة لمدافع
يا أمة وأدت صلاح الدين في
وضح النهار وترتدي لبراقع
يا أمة عبدت لغير الله أل
ف منافق ومكابر ومخادع
يا أمة سمعت لطفل يحتمى
فزعا ينادي في ملامح جازع
بابا وأين أبوه مات وما درى
فرقا لفعلٍ كان أو لمضارع
اللهَ من دنيا تكدّر حاليا
وتعيد من ذكرى ليوم فاجع
يا أمة العرب التي كانت لها
أشهى ملاعبها قتال مصارع
يا أمة دفنت لأمجاد الأشا
وس واستطابت أكل تمر يانع
تنسى بأن المجد ليس لوالغ
عظما ككلب في دناءة جائع
تنسى بأن الحق يؤخذ عنوة
برواجم وعزائم ومدافع
يا يوم بدر هل تعود بصحوة
تحيى بنا عزما وجدَّ مُصانع
ذكّرْ بهرون الرشيد وما مضى
من دولة عظمى وعدل رائع
ذكر بأن العز سيف باتر
عند الشدائد والندى لموادع
هي أمة ضلّت وما تدرى متى
تحيا ولا تدري بأي مواقع
كم قد بكيت مع المآسي كلما
شاهدت من عجز لنا وتوابع
وبكيت طفلا خرَّ يدفع روحه
ثمنا بلا ذنب جنى وأصابع
وأباً وكم ملأ التحسر قلبه
لما ثوى الأبناء لحد ودائع
أبكى وأبكى كل يوم حالة
مرّت ككابوس مريع واجع
ماذا ملكت وفى يدي قلم أنا
هل يا ترى شعري له من سامع
ما تقتل الكلمات إلا حُرَّنا
يا أمة ضحكت بمرِّ وقائع
عذرا بُنَي فما أبوك براجع
أبداً فلا ترجو لرؤية راجع
ترك الحياة وما بها في لحظة
أرجوك لا تسأل علام مدامعي
أرجوك أن تنسى لعام آخر
ولآخر ولثالث ولرابع
تمضى الحياة بذلها وهوانها
وسماؤنا قمر وليس بساطع
خذ ثأر من سبقوا لعل بمثلكم
يوما نرى ومض الشهاب اللامع