أُقَايِضُ هٰذَا المَدَى
بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَيْكِ،
لٰكِنَّ المَسَافَةَ بَيْنَنَا
لَمْ تَعُدْ تُقَاسُ بِالأَمْتَارِ،
لَقَدْ أَصْبَحَتْ زَمَنًا كَامِلًا
يَمُرُّ بِبُطْءٍ فِي عُرُوقِي،
وَأَنَا مُنْذُ رَحِيلِكِ
أَمْشِي
كَأَنَّنِي أَجُرُّ خَلْفِي
مَدِينَةً مِنَ الأَنْقَاضِ،
مَدِينَةً كَانَتْ تُضَاءُ بِعَيْنَيْكِ
ثُمَّ انْطَفَأَتْ
دَفْعَةً وَاحِدَةً.
ذٰلِكَ الحُبُّ الطَّوِيلُ
لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ أَيَّامٍ نَعْبُرُهَا،
بَلْ كَانَ نَحْتًا بَطِيئًا
فِي جِدَارِ الفَقْدِ،
وَكَانَ القَدَرُ
يُخْفِي سِرَّ نَحْتِهِ خَلْفَ ضَحَكَاتِنَا
بَيْنَمَا كُنَّا نَظُنُّ
أَنَّ الأَبَدَ يُشْبِهُ عَيْنَيْكِ.
كَيْفَ لِكَلِمَةٍ صَغِيرَةٍ
مِثْلَ "رَحِيلٍ"
أَنْ تَبْتَلِعَ هٰذَا الكَمَّ الهَائِلَ مِنَ التَّفَاصِيلِ؟
كَيْفَ لِعَيْنَيْنِ
كَانَتَا سَقْفَ السَّمَاءِ
أَنْ تَنْسَحِبَا هٰكَذَا
فَيَسْقُطُ نَجْمِي
فِي الثُّقْبِ الأَسْوَدِ لِلْوَحْدَةِ؟
أَنَا الآنَ
أَمْشِي دَاخِلَ رُوحِي
كَغَرِيبٍ أَضَاعَ عُنْوَانَهُ الأَخِيرَ،
أَتَعَثَّرُ بِأَصْدَاءِ ضَحَكَاتِكِ
المُعَلَّقَةِ عَلَى الجِدْرَانِ،
وَأَجْمَعُ مِنْ زَوَايَا الغُرْفَةِ
بَقَايَا حُضُورِكِ
كَمَا يَجْمَعُ المُنْفِيُّ
تُرَابَ وَطَنِهِ
مِنْ جُيُوبِ الرِّيحِ.
الذِّكْرَيَاتُ
لَيْسَتْ أَشْبَاحًا عَابِرَةً،
بَلْ سِكِّينٌ هَادِئَةٌ
تَسْكُنُ تَحْتَ الجِلْدِ،
كُلَّمَا نَبَضَ القَلْبُ
تَحَرَّكَتْ
لِتُذَكِّرَهُ
أَنَّ بَعْضَ النَّجَاةِ
كَانَ مُجَرَّدَ تَأْجِيلٍ لِلْمَوْتِ.
مَا أَصْعَبَ
أَنْ يَمْتَلِئَ المَرْءُ بِشَخْصٍ
حَتَّى يَفِيضَ مِنْهُ،
ثُمَّ يَسْتَيْقِظَ فَجْأَةً
لِيَجِدَ نَفْسَهُ
صَحْرَاءَ شَاسِعَةً،
تَدُورُ فِيهَا
رِيَاحٌ بِلَا مَطَرٍ
وَلَا شَيْءَ غَيْرُ الصَّدَى.
الفِرَاقُ
لَيْسَ أَنْ نَفْتَرِقَ،
بَلْ أَنْ أَمُوتَ أَنَا
وَيَبْقَى حُبُّكِ حَيًّا دَاخِلِي
كَجَرِيمَةٍ لَا تَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ،
أَنْ أَرَاكِ
فِي كُلِّ أُغْنِيَةٍ،
وَفِي كُلِّ شَارِعٍ،
وَفِي مَرَارَةِ القَهْوَةِ،
وَفِي المَرَايَا الَّتِي أَتَجَنَّبُهَا
كَيْ لَا أَرَى
هٰذَا الخَرَابَ الَّذِي تَرَكْتِهِ وَرَاءَكِ.
أَنْتِ مَضَيْتِ
خَفِيفَةً
كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ،
كَأَنَّ أَعْوَامِي مَعَكِ
كَانَتْ حُلْمًا قَصِيرًا
رَأَيْتِهِ فِي قِطَارٍ عَابِرٍ
ثُمَّ نَسِيتِهِ
حِينَ وَصَلْتِ.
أَمَّا أَنَا
فَمَا زِلْتُ أَجْلِسُ
فِي مُنْتَصَفِ هٰذَا الغِيَابِ،
أُرَتِّبُ خَرَابَ الرُّوحِ
وَأُقْنِعُ قَلْبِي
أَنَّ النَّجَاةَ مُمْكِنَةٌ،
بَيْنَمَا أَعْرِفُ فِي سِرِّي
أَنَّنِي مُنْذُ رَحِيلِكِ
لَمْ أَعُدْ أَنْجُو،
بَلْ أَتَأَخَّرُ فَقَطْ
عَنِ السُّقُوطِ.
أَيُّهَا الحُزْنُ
الرَّابِضُ فِي صَدْرِي
كَجَبَلٍ أَبَدِيٍّ،
لَقَدْ عَلَّمْتَنِي
أَنَّ الوَحْدَةَ
لَيْسَتْ أَنْ نَبْقَى وَحْدَنَا،
بَلْ أَنْ يَصْبَحَ العَالَمُ كُلُّهُ
عَاجِزًا
عَنْ مَلْءِ الفَرَاغِ
الَّذِي تَرَكَهُ شَخْصٌ وَاحِدٌ.
أَجْلِسُ فِي غُرْفَتِي
وَالأَثَاثُ يَنْظُرُ إِلَيَّ
كَشَاهِدٍ أَخِيرٍ،
الجِدْرَانُ تَحْفَظُ صَوْتَكِ،
وَالصَّمْتُ
يَتَمَدَّدُ حَوْلِي
كَبَحْرٍ بِلَا شَوَاطِئَ.
كُنَّا رُوحًا وَاحِدَةً
قَسَمَهَا القَدَرُ نِصْفَيْنِ،
فَأَخَذْتِ مَعَكِ
الضَّوْءَ وَالرَّبِيعَ،
وَتَرَكْتِ لِي
هٰذَا النِّصْفَ النَّازِفَ
يَجُرُّ وَحْدَتَهُ
فِي مَمَرَّاتِ اللَّيْلِ.
اذْهَبِي...
لَقَدْ حَزَمْتُ لَكِ
حَقَائِبَ عُمْرِي كُلَّهَا،
وَتَرَكْتُ لِنَفْسِي
هٰذَا الوَجَعَ العَظِيمَ،
هٰذَا الإِرْثَ الثَّقِيلَ
الَّذِي يَكْفِي
لِأَمُوتَ بِهِ
مَرَّاتٍ
وَمَرَّاتٍ.
وَدَاعًا
لِحُبٍّ
كَانَ يَوْمًا
وَطَنًا كَامِلًا،
ثُمَّ صَارَ
مَنْفًى
لَا نِهَايَةَ لَهُ.