تخطَّ إلى المحتوى

ومتى يأتي الغد

غير معروف

١٤٨ بيت

المتفرقات

وَمَتَى يَأْتِي الغَدُ؟

كُلَّ يَوْمٍ

كُنْتِ تَقُولِينَ: غَدًا،

فَأَجْمَعُ قَلْبِي الصَّغِيرَ

وَأَجْلِسُ عِنْدَ حَافَّةِ النَّافِذَةِ،

كَأَنَّنِي أَنْتَظِرُ اللهَ

فِي هَيْئَةِ مُعْجِزَةٍ.

أَعُدُّ خُطَايَ إِلَى البَابِ،

وَأُحْصِي عَلَى الجِدَارِ

أَعْمَارَ الظِّلَالِ،

وَأُخَبِّئُ فِي جَيْبِ قَمِيصِي

أَسْئِلَتِي الصَّغِيرَةَ،

كَيْ لَا تَرَاهَا الخَيْبَةُ.

كُنْتُ أَظُنُّ الغَدَ

طَائِرًا أَبْيَضَ

يَضِلُّ الطَّرِيقَ إِلَيْنَا،

أَوْ قَافِلَةً مِنَ الضَّوْءِ

تَنَامُ قَلِيلًا

ثُمَّ تُتَابِعُ السَّيْرَ.

وَكُنْتِ تَقُولِينَ: غَدًا...

فَأُصَدِّقُ،

كَمَا يُصَدِّقُ الجَائِعُ

رَائِحَةَ الخُبْزِ،

وَكَمَا يُصَدِّقُ الطِّفْلُ

أَنَّ المَطَرَ

يَأْتِي خُصِّيصًا

لِيَغْسِلَ حُزْنَهُ.

قَلْبِي...

كَانَ يَحْمِلُ تَذْكِرَةَ وُصُولٍ

لَا اسْمَ فِيهَا لِمَحَطَّةٍ،

وَلَا وَقْتَ فِيهَا لِقِطَارٍ،

لَكِنَّهُ

كَانَ وَاثِقًا

أَنَّ الطَّرِيقَ، مَهْمَا تَأَخَّرَ،

لَا بُدَّ أَنْ يَفْتَحَ بَابَهُ

ذَاتَ رَجَاءٍ.

كُنْتُ أَسْأَلُ اللَّيْلَ عَنْ وَجْهِ الغَدِ،

فَلَا يُجِيبُ

إِلَّا بِمَزِيدٍ مِنَ السَّوَادِ.

وَأَسْأَلُ نَافِذَتِي:

أَيُّ لَوْنٍ

يَرْتَدِيهِ القَادِمُونَ مِنَ الوَعْدِ؟

فَتَرْتَعِشُ السِّتَارَةُ قَلِيلًا،

ثُمَّ تَصْمُتُ.

كُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ

كُنْتُ أَكْبَرُ سَنَةً مِنَ الِانْتِظَارِ،

وَيَأْكُلُنِي فُضُولِي

كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ

أَطْرَافَ الوَرَقِ.

وَأَقُولُ:

رُبَّمَا غَدًا

يَخِفُّ هَذَا الثِّقْلُ

عَنْ صَدْرِي،

رُبَّمَا غَدًا

يَصِلُ المَعْنَى،

رُبَّمَا غَدًا

أَفْهَمُ لِمَاذَا

يُولَدُ الإِنْسَانُ

وَفِي قَلْبِهِ

هَذَا النَّقْصُ القَدِيمُ.

لَكِنَّ الغَدَ...

كَانَ مَاهِرًا فِي التَّخَفِّي.

كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ

ابْتَعَدَ خُطْوَةً،

وَكُلَّمَا مَدَدْتُ يَدِي

صَافَحْتُ الهَوَاءَ.

وَكَانَ يَمْشِي أَمَامِي

بِوَجْهٍ لَا يُرَى،

وَيَتْرُكُنِي

أَتَعَثَّرُ بِظِلِّي.

كَبِرْتُ يَا أُمِّي...

كَبِرْتُ بِمَا يَكْفِي

لِأَعْرِفَ

أَنَّ بَعْضَ الوُعُودِ

لَا تَكْذِبُ،

لَكِنَّهَا لَا تَمْلِكُ القُدْرَةَ

عَلَى أَنْ تَتَحَقَّقَ.

كَبِرْتُ،

وَعَرَفْتُ أَنَّ الغَدَ

لَيْسَ ذَلِكَ المَلَاكَ

الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ

عِنْدَ بَابِ التَّعَبِ،

بَلْ هُوَ الِاسْمُ المُهَذَّبُ

لِلْمَجْهُولِ.

وَعَرَفْتُ أَيْضًا

أَنَّنِي كُنْتُ المَقْتُولَ

مُنْذُ البِدَايَةِ،

لَكِنَّ السِّكِّينَ

لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ...

كَانَتْ فِي قَلْبِي،

وَكَانَ اسْمُهَا:

الأَمَلُ.

يَا أُمِّي،

مَا أَقْسَى أَنْ يَكْبُرَ المَرْءُ

لِيَكْتَشِفَ

أَنَّ العُمْرَ لَا يَهَبُنَا مَا وَعَدَ،

بَلْ يُعَلِّمُنَا فَقَطْ

كَيْفَ نَعْتَادُ الغِيَابَ.

وَأَنَّ الأَيَّامَ

لَيْسَتْ سِوَى أَمْوَاجٍ

تَدْفَعُنَا قَلِيلًا،

ثُمَّ تُعِيدُنَا

إِلَى الشَّاطِئِ نَفْسِهِ،

بِوَجْهٍ أَكْثَرَ تَعَبًا،

وَقَلْبٍ أَقَلَّ دَهْشَةً.

الآنَ أَفْهَمُ...

لِمَاذَا كُنَّا نَرْكُضُ نَحْوَ الغَدِ

كَأَنَّنَا نُطَارِدُهُ،

بَيْنَمَا كُنَّا فِي الحَقِيقَةِ

نَهْرُبُ مِنْ أَمْسٍ.

ذَلِكَ الأَمْسُ

الَّذِي لَا يَمُوتُ،

بَلْ يُبَدِّلُ مَعَاطِفَهُ،

وَيَعُودُ إِلَيْنَا

كُلَّ مَرَّةٍ

بِقِنَاعٍ جَدِيدٍ.

الآنَ أَفْهَمُ

أَنَّ الحَيَاةَ

لَيْسَتِ الطَّرِيقَ إِلَى الوَعْدِ،

بَلِ التَّدَرُّبَ الطَّوِيلَ

عَلَى خَيْبَتِهِ.

وَأَنَّنَا،

مُنْذُ أَوَّلِ صَرْخَةٍ

حَتَّى آخِرِ تَنْهِيدَةٍ،

نَعِيشُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ:

وَعْدٍ لَا يَصِلُ،

وَقَلْبٍ

لَا يَتَوَقَّفُ عَنِ الِانْتِظَارِ.

فَمَتَى يَأْتِي الغَدُ يَا أُمِّي؟

لَقَدْ تَعِبْتُ

مِنَ الوُقُوفِ

عَلَى بَابِ الزَّمَنِ،

وَمِنْ حَمْلِ حَقَائِبِي

إِلَى مَوْعِدٍ

لَا يَفْتَحُ.

تَعِبْتُ

مِنْ سُؤَالِ النَّوَافِذِ،

وَمِنْ إِصْغَاءِ رُوحِي

إِلَى خُطًى

لَا تَأْتِي.

فَإِنْ جَاءَ الغَدُ يَوْمًا...

قُولِي لَهُ

إِنَّنِي سَبَقْتُهُ إِلَى الغِيَابِ،

وَإِنَّنِي

مِنْ فَرْطِ مَا انْتَظَرْتُهُ،

صِرْتُ

أَنَا

الِانْتِظَارَ.