أَرَى الصَّدْرَ بَعْدَ الفَقْدِ يَنْزِفُ حُرْقَةً
كَأَنَّ ضُلُوعِي صَارَتِ النَّارُ تَلْتَهِبَا
وَأَبِي غَابَ عَنِّي وَالحَيَاةُ كَأَنَّهَا
تُجَرِّدُنِي مِنْ كُلِّ مَا كُنْتُ أَحْتَسِبَا
أُنَادِيهِ فِي صَمْتِ اللَّيَالِي فَلَا صَدَى
وَأَعُودُ إِلَى صَمْتٍ يُمَزِّقُ مَا بَقِيَا
وَكُنْتَ لِيَ الدُّنْيَا إِذَا مَا ضَاقَتْ بِيَ
فَأَصْبَحْتُ فِي دُنْيَايَ بَعْدَكَ مُغْتَرِبَا
أُحَاوِلُ أَنْ أَبْدُو ثَبَاتًا وَفِي دَاخِلِي
يُشَقُّ فُؤَادِي كُلَّمَا ذِكْرُكَ انْتَسَبَا
أَبِي كَيْفَ غِبْتَ وَأَنْتَ كُنْتَ مَأْمَنِي
فَمَنْ بَعْدَكَ الحُزْنُ اسْتَوَى فِيَّ مُنْصَبَا
تَرَكْتَ وَصَايَاكَ الَّتِي كُنْتُ أَحْمِلُهَا
فَصِرْتُ أُقَلِّبُهَا عَلَى قَلْبٍ مُتْعَبَا
أَحِسُّ بِأَنَّ الوَقْتَ لَيْسَ يَمُرُّ بِي
بَلِ الجُرْحُ يَجْرِي فِيَّ لَا يَعْرِفُ الغَدَا
وَكُلُّ مَكَانٍ كُنْتَ فِيهِ يُعِيدُنِي
إِلَى صَوْتِكَ المَحْفُورِ فِي الرُّوحِ مَشْهَدَا
أُنَادِيكَ لَا أَدْرِي أَأُخَاطِبُ فِكْرَةً
أَمِ الصَّدْرُ قَدْ أَضْحَى بِوَهْمِكَ مُعْتَدَى
وَأَبْكِي وَلَا أَبْكِي عَلَى المَوْتِ وَحْدَهُ
بَلِ الفَقْدُ فِي مَعْنَاهُ أَصْبَحَ أَشْدَدَا
وَكُنْتَ إِذَا مَا ضَاقَ عَيْشٌ بِأَهْلِهِ
تَفُكُّ عُقُودَ الحُزْنِ حَتَّى تَتَفَتَّدَا
فَكَيْفَ أُدَاوِي اليَوْمَ حُزْنِي وَإِنَّمَا
يَدَاكَ الَّتِي كَانَتْ تُدَاوِينِي سَرْمَدَا
أَحَاوِلُ صَبْرًا وَالصَّبْرُ أَصْبَحَ خَانِقًا
كَأَنَّ رُوحِي فِي جُرُوحِكَ تُقَيَّدَا
فَيَا رَبِّ إِنِّي لَا أَرَى غَيْرَ رَحْمَةٍ
تُطَهِّرُ هَذَا القَلْبَ مِمَّا تَجَلَّدَا
أَبِي لَمْ يَزَلْ فِي دَاخِلِي غَيْرَ غَائِبٍ
وَإِنْ غَابَ عَنِّي فِي التُّرَابِ تَجَسَّدَا
أُحَدِّثُ نَفْسِي أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِي
لِكَيْ لَا أُفَارِقَ صَبْرَنِي مُتَهَدِّدَا
وَلَكِنَّ قَلْبِي يَعْلَمُ الحَقَّ كُلَّهُ
فَيَبْكِي وَيَنْهَارُ انْهِيَارًا مُجَرَّدَا
فَيَا رَبِّ اجْعَلْ قَبْرَهُ رَوْضَةً لَهُ
وَنَوِّرْ لَهُ فِي لَحْدِهِ النُّورَ أَكْثَرَا
وَأَلْهِمْنِيَ الصَّبْرَ الَّذِي أَتَعَلَّقُ
بِهِ حِينَ يَصْدُقُ الجُرْحُ فِيَّ تَفَرُّدَا
سَأَبْقَى أُنَادِيهِ بِقَلْبٍ مُحَطَّمٍ
وَإِنْ لَمْ يُجِبْنِي صَوْتُهُ المُتَوَحِّدَا
وَإِنَّكَ يَا أَبِي لَسْتَ غَيْبًا فَقَطْ لِي
بَلِ الفَقْدُ فِي مَعْنَاهُ أَصْبَحَ مَوْجَدَا