أيا عازفَ النايِ رِفقًا بقلبِ مُبْتَلِي
فقد جئتَ تُحيي في حناياهُ ما اندملِ
نفختَ فهاجَ الجرحُ حتى كأنَّهُ
أسيرُ أسىً بين الضلوعِ ولم يَزَلِ
وما كنتُ أشكو قبل لحنِكَ لوعتي
فأيقظتَ نارَ الشوقِ بعدَ الخمولِ
كأنَّ أنينَ النايِ سرٌّ مُفجَّعٌ
يُفجِّرُ في الأعماقِ بحرًا من الوَجَلِ
إذا ما سرى لحنُكَ في الليلِ مزَّقَتْ
عُرى الصبرِ حتى ضاقَ صدري من الثِّقَلِ
وإن سكتتْ أنغامُ نايِكَ لحظةً
تعلّقتُ بالصمتِ المُقطَّعِ بالخَبَلِ
تُعيدُ إلى صدري الذي كان هادئًا
صدى الوجدِ ، صدى ما توارى من الأملِ
كأنَّكَ لا تدري بأنَّكَ عاصفٌ
بصدرِ فتىً قد ضاقَ ذرعًا بما نزلِ
فكلُّ مقامٍ منك يُشعلُ غصَّتي
ويفتحُ بابَ الدمعِ من غيرِ ما عللِ
وكلُّ سكونٍ بعد عزفِكَ وحشةٌ
كأنَّ بها روحي تُنازعُ في الأزلِ
أراكَ تُناجي الليلَ لحنًا ولوعةً
وأسمعُ فيه صوتَ حزني المُرتحلِ
فلا أنتَ تُبقي في الفؤادِ تماسكًا
ولا أنتَ تُبقي ما تبقّى من الحِيَلِ
كأنَّ الهوى في نفخةِ النايِ صرخةٌ
تُصوِّرُ ما أخفيتُهُ من تزلزُلِ
إذا ما سرى لحنٌ تكسَّرَ صمتي
وإن صمتَ ارتدَّ الصدى في مُخيَّلِي
فيا عازفَ النايِ تمهَّلْ فإنّني
ضعيفٌ أمامَ اللحنِ جمُّ التحمُّلِ
تُحرِّكُ في صدري الذي كان خامدًا
جراحًا توارتْ تحت ردمِ التجلُّلِ
أراكَ تُقيمُ الحزنَ في كلِّ نغمةٍ
كأنَّكَ تبني من دموعيَ منزلي
فإن جئتَ عادتْ كلُّ ذكرى مُؤرِّقةٌ
وإن غبتَ أبقى في انتظارِ التخيُّلِ
وما أنتَ إلا باعثُ الوجدِ في دمي
ولستَ دواءً ، بل مُهيِّجُ مُعضِلِ
أُحاولُ كتمَ البوحِ لكنَّ لحنَكَ
المُؤجَّجَ يُملي ما كتمتُ من الخَجَلِ
فيا ليتَ عزفَكَ لم يمرَّ بمسمعي
فقد كنتُ أنجو من عذابِ التثقُّلِ
ولكنَّهُ مرَّ ، فمزَّقَ هدوئيَ
القديمَ ، وألقاني رهينَ التقلُّبِ
ختامًا أقولُ : النايُ نارُ مواجعي
يُثيرُ جروحي كلّما هبَّ في الأزلِ