أيا دارَ من أهوى ، أفيكِ لنا أثرْ
يُحدّثُ عن عهدِ المودّةِ والخبرْ
وقفتُ على الآثارِ والليلُ ساكنٌ
فهاجَ فؤادي بالأسى طيفُ من عبرْ
سألتُ صبا الريحِ التي مرَّ طيفُها
عن الراحلِ المأسوفِ ، عن نازلِ القفرْ
فقالتْ : مضى من كانَ في القلبِ منزلاً
ولكنَّ ذكرَ الودِّ باقٍ على الدهرْ
فما كنتُ ممن يشتري الوصلَ غادرًا
ولا كنتُ ممن يزرعُ البغضَ في الصدرْ
حملتُ عهودَ القومِ فوقَ جوانحي
كما يحملُ الفارسُ عهدَ أبيه حرْ
إذا نالَني صرفُ الليالي بحدِّه
صبرتُ ولم أجزعْ من الحادثِ المرْ
أبيتُ على جمرِ الأسى متجلّدًا
وأجعلُ من عزمي حصانًا إلى النصرْ
رأيتُ بني الدنيا كظلٍّ مبدّدٍ
فلا ظلَّ يبقى ، لا مقامَ على سفرْ
وإن غابَ وجهُ الحبيبِ عن ناظري
فذكراهُ في أعماقِ روحي لها مقرْ
لهُ في فؤادي منزِلٌ لا يزولُهُ
تعاقبُ أيامٌ وتختلفُ العصرْ
فيا راكبَ الآفاقِ بلّغْ تحيةً
إلى من لهُ في مهجتي منزلٌ حرْ
وقلْ : إن قلبَ العهدِ لم يتبدّلِ
وإن جفّتِ الأيامُ أو قَسَتِ الدهرْ
وإنّي رأيتُ الصبرَ خيرَ ذخيرةٍ
إذا اشتدَّ ليلُ الخطبِ وانقطعَ الوترْ
فلا الحزنُ يطوي ما بنتهُ محبةٌ
ولا البعدُ يمحو في النفوسِ يدَ الأثرْ
سأمضي بطرفِ الليلِ أطلبُ غايتي
وأتركُ خلفي كلَّ وهمٍ وكلَّ غرْ
فإن عادَ يومًا صاحبُ العهدِ سالمًا
وجدني على نهجِ الوفاءِ بلا مكرْ
فما الحبُّ عندي زينةٌ في مجالسٍ
ولكنْ هو الميثاقُ يُحفظُ في السرْ
وما المجدُ إلا أن يصونَ امرؤٌ
عهودَ الرجالِ إذا تبدّلَ ما استقرْ
سلامٌ على من كانَ في القلبِ منزلاً
وإن باعدتْ بينَ الديارِ لنا سفرْ