مَا كُلُّ مَا ضَاعَ مِنْ أَيَّامِنَا ذَهَبٌ
فَرُبَّ فَقْدٍ أَتَى بِالْخَيْرِ إِذْ يَعُودُ
قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الدَّرْبَ مُنْكَسِرٌ
فَإِذَا الْمَدَى بَعْدَ طُولِ الْعُسْرِ مَمْدُودُ
كَمْ غَادَرَ الْقَلْبُ أَحْبَابًا وَأُمْنِيَةً
فَأَوْرَقَ الصَّبْرُ بَعْدَ الْيَأْسِ وَالْجُهْدُ
مَا مَاتَ حُلْمٌ رَأَى فِي الْأُفْقِ نَافِذَةً
لَكِنَّهُ غَابَ حَتَّى يَنْضُجَ الْمَوْعِدُ
عَلَّمَتْنِي الرِّيحُ أَنَّ الْغُصْنَ إِنِ انْحَنَى
لَا يَعْنِي الِانْحِنَاءُ بِأَنَّهُ خَمَدُ
وَأَنَّ بَحْرَ اللَّيَالِي لَا يَدُومُ لَهُ
مَوْجٌ عَتِيدٌ وَلَا يَبْقَى لَهُ مَدُّ
كَمْ مَرَّ لَيْلٌ ظَنَنْتُ الْفَجْرَ مُنْقَطِعًا
فَجَاءَ صُبْحٌ عَلَى الْآفَاقِ يَمْتَدُّ
يَا مَنْ ظَنَنْتَ بِأَنَّ الْحُزْنَ مَنْزِلَةٌ
إِنَّ الْحَزِينَ إِذَا مَا صَانَهُ صَمَدُ
لَا تَحْمِلِ الْأَمْسَ فَوْقَ الظَّهْرِ مُنْكَسِرًا
فَالْعُمْرُ يَمْضِي، وَأَثْقَالُ الْأَسَى جَمَدُ
خُذْ مِنْ جِرَاحِكَ مَعْنَى النُّورِ إِنَّ بِهَا
سِرًّا يُعَلِّمُ قَلْبَ الْحُرِّ مَا يَجِدُ
كَمْ فَارِسٍ خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ أَضْلُعِهِ
نَارُ الْخُطُوبِ، فَصَارَ النُّورُ وَالْجَلَدُ
لَمْ يَخْسَرِ الْمَرْءُ مَنْ وَلَّى وَقَدْ تَرَكَ
الْخُسْرَانَ خَلْفَ الْخُطَى، إِنَّ الَّذِي فَقَدُوا
هُمُ الَّذِينَ أَضَاعُوا فِي الْمَدَى رَجُلًا
كَانَ الْوَفَاءُ لَهُ عَهْدًا وَمُعْتَقَدُ
أَنَا الَّذِي إِنْ بَكَتْ أَيَّامِيَ ابْتَسَمَتْ
لِأَنَّ خَلْفَ دُمُوعِ الْعَيْنِ مَوْلِدُ
مَا عُدْتُ أَبْحَثُ عَنْ أَمْسٍ أَعِيشُ بِهِ
فَالْعُمْرُ أَوْسَعُ مِنْ حُزْنٍ وَمِنْ أَحَدُ
إِنَّ الرِّجَالَ تُرَى فِي وَقْتِ مِحْنَتِهَا
لَا حِينَ تَضْحَكُ أَفْرَاحٌ وَتَبْتَعِدُ
فَالسَّيْفُ يَعْرِفُ مَعْدِنَهُ إِذَا اشْتَعَلَتْ
نَارُ الْوَغَى، لَا إِذَا فِي الْغِمْدِ يَسْتَنِدُ
وَمَا الرَّحِيلُ سِوَى مِيلَادِ قَافِلَةٍ
تَمْضِي إِلَى حَيْثُ لَا خَوْفٌ وَلَا كَمَدُ