امرأةٌ من نبع الضوء
لا أعرفُ كيفَ أصفُكِ ...
فكلما أمسكتُ القلمَ
شعرتُ أنَّ الحروفَ
أقلُّ جمالًا من أن تحملَكِ .
وكلما فتحتُ دفاترَ الشعر
وجدتُ أنَّ القصائدَ القديمة
كانت تبحثُ عنكِ
دون أن تعرفَ اسمكِ .
أنتِ امرأةٌ
حين تمرُّ في العمرِ
لا تمرُّ كالعابرين .
تتركينَ في الأيامِ
علامةً لا تمحوها السنوات .
كأنَّ الزمانَ نفسهُ
يتوقفُ قليلًا
ليتأكدَ أنهُ لم يحلم .
في حضوركِ
تتغيرُ الأشياء .
الكرسيُّ الذي تجلسينَ عليه
يبدو كأنهُ اختارَ مكانهُ أخيرًا .
والنافذةُ التي تطلُّ منها
تصيرُ أكثرَ اتساعًا .
حتى المرآةُ
تبدو سعيدةً
لأنها احتفظتْ بصورةٍ منكِ .
لا أعرفُ سرَّكِ ...
هل هو في عينيك ؟
أم في هدوءِ صوتكِ ؟
أم في تلكَ الطريقةِ الغريبة
التي تجعلينَ بها البسيطَ
شيئًا لا يُنسى ؟
أنتِ لا تدخلينَ القلبَ
كما يدخلُ الناس .
الناسُ يطرقونَ الأبواب .
أما أنتِ
فكأنَّ القلبَ
كان يبني لكِ غرفةً
منذُ ولادته .
حين تبتسمينَ
لا أظنُّ أنَّ العالمَ يصبحُ أجمل .
بل أظنُّ
أنَّ العالمَ يتذكرُ
أنهُ كان جميلًا ذاتَ يوم .
يا امرأةً
في صوتها دفءُ مساءٍ هادئ .
وفي نظرتها
أسئلةُ ألفِ كتاب .
وفي صمتها
حديثٌ طويل
لا يسمعهُ إلا من أحبَّ .
أحبُّ فيكِ
أنكِ لا تحاولينَ أن تكوني السعادة .
فالنجومُ لا تحاولُ أن تلمع .
والبحارُ لا تتدرَّبُ على العمق .
والزهورُ لا تتعلمُ العطر .
لو سألتني :
متى أحببتني ؟
لقلتُ :
قبل أن أعرفَ أنني أحببتكِ .
فبعضُ الأشخاصِ
يدخلونَ حياتنا
قبل أن نجدَ لهم تفسيرًا .
كنتُ أظنُّ أنَّ الحبَّ
قصةُ قلبين .
حتى عرفتكِ .
فاكتشفتُ أنهُ
تغييرٌ كاملٌ
في طريقةِ رؤيةِ العالم .
بعدكِ
لم تعدِ القهوةُ قهوة .
صارتْ موعدًا مع الذكريات .
ولم يعدِ الليلُ ليلًا .
صارَ مساحةً
أكتبُ فيها اسمكِ
دون أن يراهُ أحد .
حتى المطرُ
حين ينزلُ على نافذتي
أشعرُ أنهُ يحملُ شيئًا منكِ .
كأنَّ الغيمَ
سمعَ عنكِ كثيرًا
فجاءَ ليحكي .
يا امرأةً
لا تشبهُ النساءَ
في شيءٍ واحد :
أنني كلما اقتربتُ منكِ
لم أشعرْ أنني امتلكتُ شيئًا .
بل شعرتُ
أنني اكتشفتُ شيئًا .
فالجمالُ ليسَ أن تكوني
أجملَ من غيرك .
الجمالُ أن تجعلي الإنسانَ
يرى الحياةَ
أجملَ مما كانت .
لو خُيّرتُ بينَ كنوزِ الأرض
وبينَ لحظةٍ واحدة
أراكِ فيها تبتسمينَ
لاخترتُ تلكَ اللحظة .
فالكنوزُ تُجمعُ في الصناديق .
أما بعضُ اللحظاتِ
فتُحفظُ في الروح .
لا تخافي من حبي ...
فأنا لا أريدُ أن أحاصركِ .
الحبُّ الحقيقيُّ
ليس قفصًا من ذهب .
إنهُ نافذةٌ واسعة
تجعلُ الطائرَ
يعودُ إليها
وهو قادرٌ على الطيران .
أحبكِ كما يحبُّ البحرُ الشاطئ .
لا لأنهُ يملكهُ .
بل لأنهُ يجدُ عندهُ
معنى الوصول .
وأحبكِ كما يحبُّ المساءُ نجمةً بعيدة .
لا لأنهُ يستطيعُ لمسَها .
بل لأنها تجعلُ عتمتهُ
أكثرَ احتمالًا .
سيأتي يومٌ
تتعبُ فيهِ المرآيا من حفظِ الوجوه .
وتتغيرُ فيهِ الفصول .
وتصبحُ الأشياءُ أقلَّ لمعانًا .
لكنَّ هناكَ شيئًا واحدًا
لن يتغير :
أنَّ قلبي
حين يذكركِ
سيعودُ ذلكَ الشاعرَ
الذي رأى في امرأةٍ واحدة
كلَّ ما بحثَ عنهُ في العالم .
فابقَي ...
ليس لأنني أخافُ فقدكِ .
بل لأنَّ بعضَ الأشخاصِ
حين نلتقي بهم
نعرفُ أنَّ الحياةَ
كانت تمهّدُ لنا الطريقَ
إليهم .
وأنتِ ...
كنتِ أجملَ طريقٍ
وصلتُ إليه .