تخطَّ إلى المحتوى

امرأة من نبع الضوء

شعر التفعيلة

١٣٨ بيت

النسيب

امرأةٌ من نبع الضوء

لا أعرفُ كيفَ أصفُكِ ...

فكلما أمسكتُ القلمَ

شعرتُ أنَّ الحروفَ

أقلُّ جمالًا من أن تحملَكِ .

وكلما فتحتُ دفاترَ الشعر

وجدتُ أنَّ القصائدَ القديمة

كانت تبحثُ عنكِ

دون أن تعرفَ اسمكِ .

أنتِ امرأةٌ

حين تمرُّ في العمرِ

لا تمرُّ كالعابرين .

تتركينَ في الأيامِ

علامةً لا تمحوها السنوات .

كأنَّ الزمانَ نفسهُ

يتوقفُ قليلًا

ليتأكدَ أنهُ لم يحلم .

في حضوركِ

تتغيرُ الأشياء .

الكرسيُّ الذي تجلسينَ عليه

يبدو كأنهُ اختارَ مكانهُ أخيرًا .

والنافذةُ التي تطلُّ منها

تصيرُ أكثرَ اتساعًا .

حتى المرآةُ

تبدو سعيدةً

لأنها احتفظتْ بصورةٍ منكِ .

لا أعرفُ سرَّكِ ...

هل هو في عينيك ؟

أم في هدوءِ صوتكِ ؟

أم في تلكَ الطريقةِ الغريبة

التي تجعلينَ بها البسيطَ

شيئًا لا يُنسى ؟

أنتِ لا تدخلينَ القلبَ

كما يدخلُ الناس .

الناسُ يطرقونَ الأبواب .

أما أنتِ

فكأنَّ القلبَ

كان يبني لكِ غرفةً

منذُ ولادته .

حين تبتسمينَ

لا أظنُّ أنَّ العالمَ يصبحُ أجمل .

بل أظنُّ

أنَّ العالمَ يتذكرُ

أنهُ كان جميلًا ذاتَ يوم .

يا امرأةً

في صوتها دفءُ مساءٍ هادئ .

وفي نظرتها

أسئلةُ ألفِ كتاب .

وفي صمتها

حديثٌ طويل

لا يسمعهُ إلا من أحبَّ .

أحبُّ فيكِ

أنكِ لا تحاولينَ أن تكوني السعادة .

فالنجومُ لا تحاولُ أن تلمع .

والبحارُ لا تتدرَّبُ على العمق .

والزهورُ لا تتعلمُ العطر .

لو سألتني :

متى أحببتني ؟

لقلتُ :

قبل أن أعرفَ أنني أحببتكِ .

فبعضُ الأشخاصِ

يدخلونَ حياتنا

قبل أن نجدَ لهم تفسيرًا .

كنتُ أظنُّ أنَّ الحبَّ

قصةُ قلبين .

حتى عرفتكِ .

فاكتشفتُ أنهُ

تغييرٌ كاملٌ

في طريقةِ رؤيةِ العالم .

بعدكِ

لم تعدِ القهوةُ قهوة .

صارتْ موعدًا مع الذكريات .

ولم يعدِ الليلُ ليلًا .

صارَ مساحةً

أكتبُ فيها اسمكِ

دون أن يراهُ أحد .

حتى المطرُ

حين ينزلُ على نافذتي

أشعرُ أنهُ يحملُ شيئًا منكِ .

كأنَّ الغيمَ

سمعَ عنكِ كثيرًا

فجاءَ ليحكي .

يا امرأةً

لا تشبهُ النساءَ

في شيءٍ واحد :

أنني كلما اقتربتُ منكِ

لم أشعرْ أنني امتلكتُ شيئًا .

بل شعرتُ

أنني اكتشفتُ شيئًا .

فالجمالُ ليسَ أن تكوني

أجملَ من غيرك .

الجمالُ أن تجعلي الإنسانَ

يرى الحياةَ

أجملَ مما كانت .

لو خُيّرتُ بينَ كنوزِ الأرض

وبينَ لحظةٍ واحدة

أراكِ فيها تبتسمينَ

لاخترتُ تلكَ اللحظة .

فالكنوزُ تُجمعُ في الصناديق .

أما بعضُ اللحظاتِ

فتُحفظُ في الروح .

لا تخافي من حبي ...

فأنا لا أريدُ أن أحاصركِ .

الحبُّ الحقيقيُّ

ليس قفصًا من ذهب .

إنهُ نافذةٌ واسعة

تجعلُ الطائرَ

يعودُ إليها

وهو قادرٌ على الطيران .

أحبكِ كما يحبُّ البحرُ الشاطئ .

لا لأنهُ يملكهُ .

بل لأنهُ يجدُ عندهُ

معنى الوصول .

وأحبكِ كما يحبُّ المساءُ نجمةً بعيدة .

لا لأنهُ يستطيعُ لمسَها .

بل لأنها تجعلُ عتمتهُ

أكثرَ احتمالًا .

سيأتي يومٌ

تتعبُ فيهِ المرآيا من حفظِ الوجوه .

وتتغيرُ فيهِ الفصول .

وتصبحُ الأشياءُ أقلَّ لمعانًا .

لكنَّ هناكَ شيئًا واحدًا

لن يتغير :

أنَّ قلبي

حين يذكركِ

سيعودُ ذلكَ الشاعرَ

الذي رأى في امرأةٍ واحدة

كلَّ ما بحثَ عنهُ في العالم .

فابقَي ...

ليس لأنني أخافُ فقدكِ .

بل لأنَّ بعضَ الأشخاصِ

حين نلتقي بهم

نعرفُ أنَّ الحياةَ

كانت تمهّدُ لنا الطريقَ

إليهم .

وأنتِ ...

كنتِ أجملَ طريقٍ

وصلتُ إليه .