تخطَّ إلى المحتوى

في زاوية الليل

شعر التفعيلة

١٥١ بيت

الوصف

فِي زَاوِيَةِ اللَّيْلِ،

حِينَ يَنْسَى الْغُبَارُ أَسْمَاءَهُ،

وَتَتَدَلَّى السَّاعَاتُ

كَعَنَاقِيدِ تَعَبٍ فَوْقَ الْجِدَارِ،

تَفْتَحُ مَكْتَبَتِي بَابَهَا…

لَا بِالْمِفْتَاحِ،

بَلْ بِنَبْضٍ

يُشْبِهُ طَرْقَ شَاعِرٍ

عَلَى صَدْرِ الْغِيَابِ.

مَكْتَبَتِي مَدِينَةٌ،

كُلُّ غَرَضٍ شِعْرِيٍّ فِيهَا

يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ،

وَيُخْفِي سِرَّهُ

فِي جَيْبِ اسْتِعَارَةٍ.

هُنَاكَ...

يَقِفُ الْغَزَلُ

شَابًّا أَعْمَى،

يُدَلِّلُ الْمَرَايَا،

يُسَرِّحُ شَعْرَ الْحُرُوفِ

بِمِشْطِ الْقَمَرِ،

وَيَكْتُبُ أَسْمَاءَ النِّسَاءِ

عَلَى مَاءٍ يَرْتَجِفُ.

يَقُولُ لِي..

أَنَا الِارْتِبَاكُ الْجَمِيلُ،

أَنَا قُبْلَةٌ

تَبْحَثُ عَنْ فَمٍ

فِي فَمِ اللُّغَةِ...

وَفِي الرَّفِّ الْأَعْلَى

يَجْلِسُ الْهِجَاءُ

عَجُوزًا حَادَّ الْمَلَامِحِ،

يَحْمِلُ عَصًا مِنْ سُخْرِيَةٍ،

وَيَطْرُقُ بِهَا جَبِينَ الرِّيَاءِ.

ضَحِكَتُهُ

كَسِكِّينٍ يُقَشِّرُ التُّفَّاحَ

حَتَّى يَظْهَرَ الْعَفَنُ فِي الدَّاخِلِ.

يَهْمِسُ لِي:

دَعْنِي أُسْقِطُ الْأَقْنِعَةَ،

فَالْكَلِمَاتُ

لَا تُجِيدُ النِّفَاقَ

إِلَّا إِذَا رَبَّاهَا الْخَوْفُ..

فِي الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ

يَمْشِي الرِّثَاءُ

بِرِدَاءٍ أَسْوَدَ،

عَيْنَاهُ بِئْرَانِ

يَسْقُطُ فِيهِمَا الضَّوْءُ.

كُلُّ خُطْوَةٍ

جَرَسُ جِنَازَةٍ،

وَكُلُّ بَيْتٍ

شَاهِدَةُ قَبْرٍ

نَقَشَهَا الْقَلْبُ

بِأَصَابِعِهِ الْمُرْتَجِفَةِ.

يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي

وَيَقُولُ...

لَا تَبْكِ…

أَنَا مَنْ يُبْقِي الرَّاحِلِينَ

مُقِيمِينَ فِي اللُّغَةِ..

وَعِنْدَ النَّافِذَةِ

يَقِفُ الْوَصْفُ

رَسَّامًا مَجْنُونًا،

يُلَطِّخُ الْهَوَاءَ بِالْأَلْوَانِ،

يُعَلِّقُ شَمْسًا صَغِيرَةً

فِي أُذُنِ الْغَيْمِ.

يُمْسِكُ بِالْوَرْدَةِ

كَأَنَّهَا فِكْرَةٌ،

وَيَشْرَحُهَا حَتَّى الذُّبُولِ.

يَقُولُ..

أَنَا عَيْنُ الْقَصِيدَةِ،

إِنْ أَغْمَضْتُهَا

صَارَ الْعَالَمُ أَعْمَى..

فِي زَاوِيَةٍ ضَيِّقَةٍ

يَتَرَبَّصُ الْفَخْرُ

فَارِسًا مِنْ حُرُوفٍ نَارِيَّةٍ،

يُصْلِحُ سَيْفَهُ

بِحَدِّ الْقَافِيَةِ،

وَيُعَلِّقُ عَلَى صَدْرِهِ

أَوْسِمَةَ الْمُبَالَغَةِ.

صَوْتُهُ

صَهِيلُ مَعْنًى،

وَخُطَاهُ

زِلْزَالُ إِيقَاعٍ.

يَصْرُخُ:

أَنَا أَنَا!

أَنَا الَّذِي

إِذَا قَالَ

اهْتَزَّتِ الْبُحُورُ..

غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْهُ

يَنْحَنِي الزُّهْدُ

رَاهِبًا نَحِيلًا،

يُرَتِّبُ الصَّمْتَ

عَلَى شَكْلِ صَلَاةٍ.

يُطْفِئُ مَصَابِيحَ اللُّغَةِ

لِيُشْعِلَ قَلْبًا

يَكْفِي.

يَبْتَسِمُ لِي..

خَفِّفْ حَقِيبَتَكَ مِنَ الْمَجْدِ،

فَالْكَلِمَةُ

لَا تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ

وَفِي قَدَمَيْهَا ذَهَبٌ...

أَمَّا الْحِكْمَةُ

فَامْرَأَةٌ فِي مُنْتَصَفِ الْعُمْرِ،

شَعْرُهَا مَزِيجُ شِتَاءٍ وَصَيْفٍ،

تَغْزِلُ مِنَ الْأَخْطَاءِ

عَبَاءَاتِ وَعْيٍ.

لَا تَتَكَلَّمُ كَثِيرًا،

لَكِنَّهَا

حِينَ تَنْظُرُ إِلَيْكَ

تَشْعُرُ أَنَّ الْعَالَمَ

امْتِحَانٌ شَفَهِيٌّ.

وَوَسَطَ الْقَاعَةِ

يَرْقُصُ الْحُبُّ الْعُذْرِيُّ

كَصُوفِيٍّ أَضَاعَ جَسَدَهُ

وَاكْتَفَى بِالنِّدَاءِ.

ذِرَاعَاهُ مَفْتُوحَتَانِ

عَلَى اتِّسَاعِ الْحِرْمَانِ،

وَقَلْبُهُ

طَبْلَةُ وَجْدٍ

تُقْرَعُ مِنَ الدَّاخِلِ.

مَكْتَبَتِي…

لَيْسَتْ خَشَبًا وَوَرَقًا،

بَلْ مُسْتَشْفَى لِلْأَرْوَاحِ

الَّتِي كَسَرَتْهَا الْحَيَاةُ

فَجَبَّرَتْهَا الْقَصِيدَةُ.

كُلُّ غَرَضٍ فِيهَا

شَخْصٌ

يُشْبِهُنِي حِينًا،

فأَدْخُلُهَا

فَأَتَحَوَّلُ إِلَى رَفٍّ،

وَتَدْخُلُنِي

فَتُحَوِّلُنِي إِلَى سُؤَالٍ.

وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ،

حِينَ يَغْفُو الْجَمِيعُ،

أَسْمَعُهُمْ يَتَجَادَلُونَ..

الْغَزَلُ

يُغَازِلُ الرِّثَاءَ،

الْهِجَاءُ

يَسْخَرُ مِنَ الْفَخْرِ،

الزُّهْدُ

يُطْفِئُ نَارَ الْحُبِّ،

وَالْوَصْفُ

يَرْسُمُ لِلْحِكْمَةِ جَنَاحَيْنِ.

وَأَنَا…

أَقِفُ فِي الْمُنْتَصَفِ،

أَجْمَعُ هَذَا الْجُنُونَ

فِي كِتَابٍ

لَا يَنْتَهِي.

مَكْتَبَتِي..

هِيَ رَأْسِي حِينَ يَفِيضُ،

وَقَلْبِي

حِينَ يَتَحَوَّلُ

إِلَى

قَصِيدَةٍ.