تخطَّ إلى المحتوى

لما مررت بدار كنت أسكنها

الكامل

٢٠ بيت

النسيب

لَمَّا مَرَرْتُ بِدَارٍ كُنْتُ أَسْكُنُهَا

وَكَانَ فِيهَا مِنَ الأَحْبَابِ عُمَّارُ

بَكَيْتُ حَتَّى بَكَتْ مِنِّي جَوَانِبُهَا

وَاسْتَرْسَلَ الْحُزْنُ حَتَّى كِدْتُ أَنْهَارُ

نَادَيْتُ: هَلْ تَسْمَعِينَ الصَّوْتَ يَا دُوَارِي؟

فَالدَّارُ صَامِتَةٌ وَاللَّيْلُ سِتَّارُ

لَا ضَحْكَةٌ بَعْدَكُمْ تُحْيِي جُدْرَانَهَا

وَلَا حَدِيثٌ بِهِ الأَرْكَانُ تُغْمَارُ

كَانَتْ حَيَاتِيَ هُنَا أَفْرَاحُ مُكْتَمِلَةً

وَالْيَوْمَ فِي غَيْبَةِ الأَحْبَابِ إِقْفَارُ

أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ تُوَاسِينِي؟

أَيْنَ الرَّبِيعُ الَّذِي فِي قُرْبِهِمْ دَارُ؟

مَرَّتْ سِنُونٌ وَمَا مَرَّتْ خَيَالَاتُهُمْ

كَأَنَّ طَيْفَهُمُ فِي الرُّوحِ تَذْكَارُ

حَتَّى النَّسِيمُ الَّذِي كَانَ يُحَادِثُنِي

صَارَ الْغَرِيبَ وَمَا فِي صَوْتِهِ دَارُ

أَسْقِي الْجِدَارَ دُمُوعًا لَا أُفَارِقُهَا

كَأَنَّمَا الدَّمْعُ فِي الأَحْدَاقِ أَمْطَارُ

وَأَكْتُبُ الِاسْمَ فَوْقَ الرَّمْلِ أَسْأَلُهُ:

هَلْ يَرْجِعُ الْوَقْتُ أَمْ ضَيَّعْتُ أَعْمَارُ؟

قَلْبِي عَلَى الْبَابِ مَا زَالَ يُحَادِثُهُ

كَأَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْعَهْدُ مِقْدَارُ

لَا شَيْءَ يَبْقَى سِوَى الذِّكْرَى نُرَدِّدُهَا

كَأَنَّهَا فِي لَيَالِي الْبُعْدِ أَنْوَارُ

يَا دَارُ هَلْ شَعَرْتِ يَوْمًا بِمَا أَشْعُرُ؟

فَفِي نَوَاحِيكِ عُمْرٌ كَانَ مِدْرَارُ

فِي كُلِّ رُكْنٍ حِكَايَاتٌ مُكَدَّسَةٌ

وَعِنْدَ نَافِذَتِي أَسْرَارٌ وَأَسْرَارُ

قَدْ كُنْتُ أَضْحَكُ وَالدُّنْيَا تُصَافِحُنِي

وَالْيَوْمَ أَبْكِي وَفِي أَهْدَابِهَا نَارُ

وَاللَّيْلُ يَسْأَلُ عَنْ وَجْهِي فَأُخْفِيهِ

كَأَنَّنِي ظِلُّ حُلْمٍ دُونَ آثَارُ

لَوْ أَنَّ بَابَكِ يَدْرِي كَمْ أَحِنُّ لَهُ

لَبَاحَ بِالسِّرِّ وَانْهَدَّتْ بِهِ الدَّارُ

لَكِنَّنِي سَوْفَ أَبْقَى رَغْمَ غُرْبَتِهَا

فَالْحُبُّ فِي الْقَلْبِ مِيثَاقٌ وَإِصْرَارُ

مَا زِلْتُ أَسْمَعُ أَصْوَاتًا أُجِيبُ بِهَا

كَأَنَّ فِي الصَّمْتِ أَلْفَ الصَّوْتِ يُخْتَارُ

وَسَوْفَ أَرْحَلُ يَوْمًا دُونَمَا خَبَرٍ

وَيَبْقَى عَنِّي هُنَا فِي الرِّيحِ أَشْعَارُ