لو كنتُ شاعرا مُرابيًا
خلعتُ ما عليّ من ثيابْ
وبعتها للسائحين
وبعتُ ما كتبت من قصائدٍ أخفيتها عن أعين المراقبين
وبعتُ ما أخفيتُ من رسائلٍ ترسلها الجارات لي
مع صبيةٍ صغارْ
عن قصص غريبةٍ يعِشنها بالوهم والخداع
يصنعن عالما من الخيال
وهنّ غافلاتْ
لو كنت شاعرا مُداهنا
لذاع صوتي في الفضاء عاليا
وصرتُ سيد المداهنينْ
لو أستطيع أن أقول الشعر في المناسباتْ
وأنظم العديد من قصائدٍ مطوّلاتْ
بدون حاجةٍ للِهفة الشعور
ودون هاجسٍ ورغبة مُلحّةٍ
للبوح والتعبير
لصرتُ شاعرَ البلاط
وصار عندي صرّةٌ من النقود
وكومةٌ من الهدايا والهبات
وقطعةٌ فسيحة في أفخم المناطق
أبني عليها ڤيلّتي الكبيرة
لو كنتُ ذاك الشاعرَ المُرابي
لصرتُ كلّ ليلةٍ أُدعى إلى الولائم الرسمية
لأمدح النوابَ والأعيانْ
وسادة الوزارة
لكي يشارَ كلّ محفلٍ إليّ بالبنانْ
وصرتُ عضوا فاعلا في مجلس الإدارةْ
لو كنت أستطيع أن أكتب كلّ ليلة قصيدةً
لأمدح الصغير والكبير
وأنفخ الحياة في الأموات
لصرتُ شاعرا مميزا، وصار اسمي
علامةً مسجّلةْ
وصورتي كلّ صباحْ
تحتلّ رأس الصفحة الأولى من
الجريدة
وصرتُ أول الذين يدخلون القصر
دون موعدٍ
وأول الذين يجلسون في واجهة المجالسْ
وأول المرافقينْ
وأول المسافرينْ
وصرتُ في منزلة رفيعة
سيارتي بنمرةٍ مميزة
خزانتي مملوءة بأجمل البذلاتْ
لكلّ بذلتينِ
زوجينِ من الأحذية الجلدية العريقةْ
وصار لي خادمة وسائقٌ
وصار لي مزارعٌ يُنسق الحديقة
وصرتُ مدعوًّا رئيسيا بكلّ جاهةٍ
يُلقبونني
بصاحب السعادة
وصاحب العطوفة
والشاعر الكبيرْ
لو كنت شاعرا منافقا
ما كنتُ حتى اليوم واقفا على مرافئ السفر
ولا اغتربتُ باحثا عن نجمةٍ تبيتُ في حضن القمر
ولا رهنتُ العمر في انتظار أن أصير مثلما أريد
خشية أن يقال في الأروقة السرّيّة
لا بأس لو دعوتموه لاجتماعكم
فلتُطعموه من طعامكم
وتشربوه من شرابكم
وتلبسوه من ثيابكم
ولتغدقوا عليه من أموالكم
ليُعلم الجميع عن إحساننا وفضلنا
في كلّ محفلٍ ومحفلٍ
ممجدا أفعالنا
وداعيا إلى انتخابنا
والسير في ركابنا
نريد شاعرا منافقا
يتقن دوره وما يراد منه
كي نظلّ مثلما نريدْ
فإنما النفاق حرفةٌ
وليس يستطيعها
كل البشرْ