لم يبق شيءٌ
غير أنّي كلما هجمَ المساءُ
ابتعتُ سكينا لأبلعها فلا أقوى على قول المزيد من الهراء
وثقبتُ آخر صفحةٍ في دفتري
كي لا تراودني السطورُ عن الكلام
فلا أبوحَ بما أراه من السذاجة في بلادٍ لم تزل
تقتات من كتف الشعوبِ
وتستغلُّ التافهين
الراقصين على دفوف كرامةٍ مزعومة
ممّا تبعثر من بقايا الكبرياءْ.
لا شيء
إلا أنني لم أدْر كيف تسربتْ من بين كفّيّ السنونَ
فأورثتني غصّةً
واحتلّ رأسي الشيبُ قبل أوانه
فنسيتُ عُمرا قد مضى ما بين بحثي عن أناي
ورحلةٍ ليست سوى ضربٍ من الوهم المعتّق
في جِرارٍ من هواءْ.
لا شيء
إلا أنني ميتٌ يعود إلى الحياة فلا يرى
ما يستحق العيش،
فالأمواتُ أجدرُ بالحياة...
هناك لا أحدٌ يقضُّ مقامهم
لا نقصَ في الخدمات
لا "واسطاتْ" تسلبُ حقّهم في العيش باسم العنجهية
والمنابت والأصولِ
وكلِّ ألوان الفروق العنصرية
لا اغترابَ ولا حنين ولا سفرْ
موتى...
ولا يجتاحُهمْ وجعٌ
على قيد البقاء.
لا شيء في اللا شيء
ترتعش الحروفُ إذا فتحتُ لها النوافذَ للحديث
عن الجراحات التي علِقتْ بأستار الكلام
ولم تزل تُخفي أنينا لا يكفّ عن العواء.
لا شيء إلا أنتَ
كيف تركتَ جرحكَ نازفا
ومضيتَ في نزقٍ
تراودُ عنكَ ضحكتَك اليتيمةَ
علّها تُخفي أساكَ
فيستبدّ بك البكاء
لا شيء
إلا أنّ بعض البوح محكومٌ بسكّين الرقابة
واشتراطات القوانين التي تسري على الضعفاء
ممّن لا صدورَ لهم لتلقاهم
ولا ظَهرٌ ليسندهم
إذا وقعوا ضحيّة همسةٍ حمقاءَ
أو تغريدةٍ خرقاءَ
لمْ تحفلْ بأسياف الّذين يراقبون الحرف
في هذا الفضاءْ.
لا شيء
إلا أنني
لمّا رضيتُ من الغنيمة بالإياب
وعدتُ أحملُ خيبةً في جانبيّ
وجدتُني ما زلت مصلوبا على نخل الطفولة
والبقايا الباقيات من الحنين إلى زمانٍ
لم يكن يوما سوى وهمٍ...
"وكأنّ كلَّ دمي اشتهاءْ"
لا شيء
إلا صوتُ نايٍ مُغرقٍ في الحزن
يستجدي الترانيم القديمة
أن ترقّ له وتمنحه المساحةَ للحنين
إلى ليالٍ لم تزل تنساب لحنا
من أصابع عازفٍ،
يأوي إذا ضاقت به الدنيا
إلى قيثارةٍ فيعود ينضو سيفه
في وجه من قتلوا الحسين،
ليُبْعثَ المهديُّ حيَّاً من جديدٍ
في طريق الباحثين عن الدمِ ال
ما زال ينزف في الضلوع
كأنّه للآنَ يثأرُ كلّ يوم من بقاياه
التي انفكّت تُعيدُ إليه شوقا
صورة الوجع المخبّأ
في وجوه العائدين من الجنوب
تجاه آخر لطمةٍ في كربلاءْ
لا شيء، قال الليلُ للقمر
والصحوُ للغيمات والمطرِ
والصبحُ قال لنجمةٍ سقطتْ
لا شيء مضمونٌ، فتنتظري
هذي بلاد الله واسعةً
ما لم أعُد، لا تقتفي أثَري
وخذي قميصي، مزّقيه فلا
تُبقي له أثراً ولا تذري
أخفيه، حتى لا تعود إلى
عينِ الغريب "غباشةُ" البصرِ
فيرى الأمور على حقيقتها
ويعيش في خُلوٍ من البشرِ
فيظلّ ملء العمر مغتربا
يعتاض بالترحال والسفر
يأوي، إذا ضاق الزمانُ به
وجرتْ عليه حوادثُ القدَر
للطفل في جنبيه ليس له
في باقياتِ العُمرِ، من وطَرِ
فلعلّهُ إن عاد مبتدَأً
سيظلّ مرفوعا على الخبرِ