تخطَّ إلى المحتوى

وأعود لعيني أذكر وضعا يحزن يزري

غير معروف

١٩٨ بيت

المتفرقات

وأَعُودُ لعيني أَذكرُ وضعًا يُحْزِنُ يُزْري...

حيثُ الجُرحُ النَّازفُ عُمْري...

فأعزيها ، والكلماتُ ثكالى مِثْلُ الجَمْرِ...

فأعودُ بذاكرتي أقرأ في صَفَحاتِ العُمْر ...

أتذكرُ بَقَّالَ القرْيَة...في «كَفْرِ سُليمان البَحَري»

«عباسٌ» يبذلُ كلَّ الخَيْرِ...

ويُريدُ مُقابلَ هذا عند رحيل الشَهْرِ...

وأنا تُرسلُني أُمِّي ، آخذُ مِنْ عباسٍ مَطلوباتِ اليَوم...

وعلى رغم عُبوسِ الإسْم يَبَشُّ بِوجهي...

مِعْطَاءٌ يا عباسُ ، ورجلٌ فوقَ الوَصف...

ورقيقٌ تَبذلُ للأطفال العَطف...

وأعودُ لأُمِّي أحملُ ما أعطاني فَورًا...

وأعودُ لعباسٍ مِنْ خَلفِ الأُمِّ سَرِيعًا...

آخُذُ حَلْوَى ...

لكنِّي لم تأمرْني بالحَلوَى أمي هذي المَرَّة...

ويُصَدِّقُ عباسُ الدَّعْوَى...

آكل ما أعطاني عباسُ وأمضي...

وإذا رحل الشهر تعالى خطْبِي

قد كنتُ أُعبِّئُ كل الماضي فِي ذاكرتي...

أَتَذكَّرُ أنِّي كنتُ أرى بعُيوني هذي دربي...

وأرى الأفكارَ العذبةَ تعدو صَوْبي...

وأرى حُبِّي...

لكنِّي كُنْتُ صَغيرًا ، لا أَدري حَجْمَ الذَّنْبِ...

أحْبَبْتُ القريةَ حُبًّا جَمًّا...

فهُنالكَ كانتْ كُل حياتي الأُولى...

وهنالك كانتْ أُمي وأبي جَنْبي...

والناسُ جميعًا صحْبي...

والفرحةُ كلُّ الفرحة تسكنُ قلبي...

والعيشُ يُرفرفُ عذْبًا مِثْلَ الشَّهد...

ولهُ عطرٌ رطبٌ رَخْوٌ مِثل الوَرْد...

الفترةُ هَذي لا أنسَاهَا أبَدًا...

إنَّ المَاضِيَ هذا يَسْعَى فوقَ سَمَاءِ المَجْدِ...

كانَ العُمْرُ يُزَمْجِرُ مثل الرَعْدِ...

ويُسافرُ في دُنيا الناس ، ويَقْطَعُ كُلَّ البُعْدِ...

وأطالعُ في أوراق المَاضي بعضَ الحُرْقَة...

قلتُ أعيشُ على هامِشِها ، أصْبرُ حتى أدخلَ قَبْرِي...

قَدْ كُنْتُ أُصَاحِبُ بَعْضَ الرفْقَة...

غَشتْهَا بَعْضُ الزُّرْقَة...

حيثُ أحالتْ بيني والأصحابِ الفُرْقَة...

فمشيتُ بعيدًا عنهم ، كانتْ أصْعَبَ شُقَّة...

ودموعُ فِراقِ الصَّحْبِ تزيدُ الخَفْقَة...

والقلبُ تناءتْ عنه العَزْمَة...

وطوتْهُ الظُّلْمَة...

فتناثَر في أرجاء المحْنَة ، مِثْلَ النَّسْمَة...

لم يتحملْ بأسَ الهَجْمَة...

ليتَ القلبَ تماسكَ بعضَ الوقتِ

ليَعْبُرَ هذي الأزمَة...

وطفقتُ أُداعبُ كل خُيوطِ نُجومِ المَاضِي...

يا هذا الحاضرُ ، هلْ جرَّبْتَ دَلالَ النَّجْمَة...

تَبدو هذي النجمةُ في الآفاق

تُجَمِّلُ كل سَراب الغَيْمَة...

آهٍ ، قد حَرَقَ نفاقُ الصحب قماشَ الخَيْمَة...

والنجْمَةُ تَسألُ في الآفاق طُيورًا قد أزتَّها الهِّمَة...

تسْتَصْرِخُ: أينَ الأُمَّة؟؟

أينَ صَلاحُ الدِّين؟ وأينَ النَّخوة؟ أَيْنَ الذِّمَّة؟

بل أينَ رجالُ صلاح الدِّين جَمِيعًا؟

مَنْ يَغْسِلُ عَارَ الصَّدْمَة؟

«حِطِّينُ» تَناءتْ في كَوكَبةِ الظُّلْمَة...

وطوتْها في الدرب سَحائِبُ ضخمَة...

ومحتْها مِنْ عالمنا فعْلاً...

محقتْها رغمَ الأنفِ طُلُولُ العَتْمَة...

أصحابُ صلاح الدين تناءَوْا ، يا للوَصْمَة...

وانتُهِكتْ في أرض الدار الحُرْمَة...

آهٍ كيف المَهْربُ مِنْ مأزقنا هذا؟ قُولوا...

قولوا: كيف نصيرُ رجالاً؟

كيف نُرَجِّعُ مِنْ ظُلمات الليل الأخرسِ هذا هَدْيًا وَلَّى؟

أو كيف نهُزُّ الأرض بدَمِنا ، بجماجمنا ، وكتائبنا؟

نُرْجِعُ أرضًا سُلبتْ مِنَّا ، نرجع مجدًا وَلَّى ومَضَى...

أنا عندي الحَلُّ ، وربِّ العَرْشِ ، وليسَ سِواه...

الهِنْدِيُّ الصارمُ يمحو هذه الغُمَّة...

هذا السيفُ محاها أولَ مَرة ، وكذا يمحوها ثانِي مَرة...

للدَّوْر الألفِ أقولُ: السيفُ القاصلُ يمحو الغُمة...

وسيُسعد كل فؤادٍ كان يتوقُ إلى الحُرِّيَة...

وسيشفي صُدورَ القوْم العُزلِ في بَيْداءِ الاسْتِضْعَافْ

وسيمحقُ كُلَّ إسافْ ، وسيُهلِك من أعداء المَوْلَى بالآلاف...

وسيُذهب غيظ قلوبٍ تتمنى ذَبْحَ الإِرجَاف...

ويُعذِّب ربُّ الناس بأيدي الحق مَنِ استَعلى...

لكن ، أينَ رجالٌ تحملُ هذا الصارمَ؟ قولوا: أين؟

قولُوا: كيفَ بُلوغُ القِمَّة؟

لا ألقاكُم بعد نذيري هذا مَوتَى...

وَدَعُوكُمْ مِنْ أعذارٍ تَبْدُو ضَخْمَة...

ودَعُوكم مِنْ كلماتٍ خَجْلَى...

مُتجردةٍ تبدو فَخْمَة

لا ألقاكم بعد وَعيدي هذا هَلْكَى...

ودَعُوكم مِنْ قولتِكم: «هذي قِسْمَة»

إنَّ مَعِين الحَقِّ يُنادي:

فيخاطبُكم: هذي بئسَ التُّهْمَة...

لا ألقاكم بعد كلامي هذا صَرْعَى...

ودعوكم يا أقوامي مِنْ أغلال اللُّقْمَة...

مَكْفولٌ هذا القوتُ ، وربِّ الكَعْبَة...

ويُطاردُ صاحبهُ القوتُ ، ولو في البُرج العالي...

والبيتُ له ربٌّ يحميه ، تخلُّوا عَنْ خيْبتكم هَذي...

والمبدأُ منتصرٌ حتْمًا ، رغم أُنوفِ نِفاقِ القوم...

أغلالُ اللقمَة ليْسَتْ عُذرًا...

لن تنفعَكُم هذي الكلمةُ أبَدًا...

فذروها في قاموسِ الخَذْلِ تُسلِّي مَنْ صَاغُوهَا...

وتُرفِّهُ مَنْ عبدوها ، وكذاكَ تُسَامِرُ مَنْ جعلوها عُذرًا...

يا أغلالَ اللقمة كُفِّي ، قد بددتِ القِيَمَ العُليَا...

وكذلك يا أقوامُ دعوكم مِنْ أغلال اللقمَة...

قد كنتم يومًا جيلاً يضربُ في أسماعِ الدُنيا المَثَلا...

كنتم جيلاً يَغلبُ مَنْ عاداهُ ، ويزهو...

كنتم جيلاً لا ينتصرُ عليه عدوٌّ أبَدًا...

لا يعبدُ لاتًا أو عُزَّى...

وكذلكَ لا يَعْبُدُ شِعْرَى ...

وإذا افتخرَ عبيدُ الشِّعْرى...

أسمعَهُم بالصوتِ الهادر صوتَ الوحْي ونُورَ التقوى...

وأحال الدنيا أذنًا تسمعُ منه «السَّجْدة» بل و«البَقَرةَ»

و«الأعراف» كذلك ثمَّ «الشُّعَرَا»

ماتَ الجيلُ الشَّهْمُ المَرْجُو...

ودَّعَ هذي الدنيا مُنْذُ قُرونٍ مَرَّتْ تَتْرَى...

ذاك الجيلُ العالي الهِّمَّة...

جِيلٌ كانتْ تستهويه الحِكْمَة...

يتسامَى فِي أفلاكِ الرَّحْمَة...

يَرْعَى واللهِ حُقوقَ النَّاسِ جميعًا...

ويُحقق آمال الدنيا وِفقَ شريعة ربِّ الناس...

يَرْعَى رغمَ سَعِير الحالِ الحُرْمَة...

يَزْرَعُ في آفاق الكَوْن البَسْمَة...

وله رغمَ ظلام الليل ، وظُلمِ الناسِ ، وقصفِ الرعدِ

وبأسِ الكيدِ العَزْمَة...

لا يلهثُ خلفَ سَراب الدُّنيا...

ليستْ تَستعبده هِمَمُ الأرض السُّفْلى...

ليس يُفَرِّغُ كل الطاقة في مَطْعُومِ البَطْن

لا يسعى خلَف الرِّمَّة...

لا يطمعُ مِنْ هذي الدنيا فِي شَيء أبَدًا...

لا يطمعُ في أموالٍ تَفْنَى...

أو أغنامٍ تُرْعىَ...

أو أبناءٍ ليس لديهم مِنْ آياتِ اللهِ نَصِيب...

حتى ليسَ لديهم حِكْمَة...

لا يَطمعُ مِنْ هذي الدنيا في جَرْعَةِ ماءٍ أو قَضْمَة...

بلْ يَطمعُ في مَرضَاةِ اللهِ ، ونِعْمَ الهِمَّة

أَتذكرُ مِنْ صَفَحَاتِ المَاضي صَفْحَةَ أُمِّي...

وأنا بينَ يديها مِثلُ الزَّهْرة...

طِفلٌ قد داهَمَهُ المَرَضُ ، وعَانَى...

واحْتَارَ أطبَّاءُ الأرض وقالُوا:

لنْ يَحْيَا هذا الطفلُ كثيرًا...

فاحفُر يا لَحَّادُ الحُفْرَة...

وَارِ السَوْأةَ ، لا تأخذْكَ العَبْرَة...

إنَّ الطِّبَّ عَلِيلٌ هذي المَرَّة...

قالتْ أمِّي: حَاول يا دكتورُ ، ودَوِّنْ بعضَ القَطْرَة...

هذا طفلي الأوحدُ ، صَدِّقْ ، وأنا قبلُ أعاني حَسْرَة...

فأنا قبل رَحيلِ غُلامي ثَكْلَى...

مَا بَالُك إنْ فارق طفلي هذي الدنيا؟

قَدِّرْ يا دكتورُ شُعُورِي ، وارحَمْ ضعفي ، فأنا لَهْفَى...

وأراكَ بعِلمِكَ هذا ، في مَشْفاكَ الحُلوةِ هذي

أستاذًاً للطبِّ ، وعَلَمًا مِنْ أعلام الخَيْر ، وصاحبَ خِبْرَة...

قدِّر ما أَطلبُهُ مِنكَ ، فإنَّ فؤادي قد حَرَقَتْهُ الجَمْرَة...

ودُموعِي كَثُرَتْ فوقَ شِراع الأمل المُعْتِم هذا...

وسرابُ الدمع يُحَرِّقُ زورقَ سَفري...

ذبحتْ قلبي يا أستاذَ الطبِّ العَبْرَة...

خنقتْني الثَّوْرَة...

لو كان الأمرُ إلىَّ لجَفَّتْ بئرُ صِرَاعِي...

ولَمَا أحنيْتُ لشبح الجَزَعِ ذِراعِي...

ولَمَا أحرقْتُ يَرَاعِي...

ولَمَا مَزَّقْتُ شِرَاعِي...

ولنالتْ مِنِّي الدنيا كُلَّ الطبِّ ومَا لَمْ تَعْلَم...

ولكانَ العلم النابعُ مَنِّي أوديةَ شُعَاعٍ

تَضْربُ يا أستاذ الطب هنالكَ في أوديةِ شُعَاع...

لكنِّي أَمَةٌ عَزْلَى ، ليستْ تملك شيئًا يُذكر...

والأمرُ جميعًا يا دكتورَ الطب لربِّي الأكبر...

أكبرُ مِنْ كل الكَون ، وكل الناس ، وكل الدنيا...

لا يُشبهُه أحدٌ أبدًا ، لا يشبهه شيءٌ أبدًا...

وعلى العرشِ اللهُ المُوْلَى...

خلق الناسَ ، وخلق الدنيا...

فلهُ الخلقُ ، وله الأمْرُ

وأبو طفلي خَلْفَ الباب يُنادي

وأنا امْرأةٌ قد سَبقتْني دون العِلم الضَّرَّة...

وأخيرًا ، لك تقديري ، وتحياتي...

لكنَّ طبيبَ المَشْفَى قد أخذتْهُ الثَّورة...

واندفع يُجَرِّعُ أمِّي وأبي

كلَّ الأمل الكامن في أعطافِ القَلب...

ويُزمجرُ: ليسَ لديَّ الحِيلةُ صِدقًا...

خانتْ حالة هذا الطفل خزينة طِبِّي...

لا أعرفُ عنْ حالتِه شيئًا...

كيفَ أُحرِّرُ عنه كلامًا؟ قُولُوا...

كيف أُحررُ عن حالتِهِ تلكَ النَّشْرَة...

وأضافَ بِصَوْتٍ هادِي النَّبْرَة:

لَنْ يبقى هذا الطفلُ بهذي الدنيا فَتْرَة...

فتحجَّرَ قلبُ الأمِّ ، وأصبحَ مِثلَ الصَّخْرة...

وأضافت أمي: يا دكتورُ تمهَّلْ ، أعدِ النَّظْرَة...

وأضاف أبي: قَدَرُ الله المَوْلى أحْلَى

مِنْ كلماتِكَ هذي المُرَّة

سوف نُفَتِّشُ في أعماق الأرض نُريدُ الطِّب

وسنلتمِسُ العِلم هنا وهناك

فاطمسْ مِنْ كُرَّاسِكَ هذي الفكرَة...

واهدأ نفسًا ، واَمْحُ السَّوْرة...

إنِّي رجُلٌ ، فِلْذةُ كبدي بينَ يديكَ ضَحِيَّة...

وأُقَدِرُ تعبَك يا دكتورُ كثيرًا

وكذا أحترمُ الطبَّ ، وأشهدُ أنَّ العلم مُحِقٌّ جدًّا

لكن فوقَ الطبِّ ، وفوق العلم ، وفوق الدنيا والأكوانِ

وفوقَ الأرض وفوقَ سماءِ الكون وفوق العرش الرب...

أنا لستُ أقول بأنَّ الله المولى ، في كُلِّ مَكانْ

لكنْ أقصد أنَّ الله يُقدر أجلَ المرء

إنْ عاشَ ابني ، فلأنَّ الله المَوْلى قَدَّرَ هذَا

وكذا إنْ مَاتَ فربُّ الناس مُقَدِّرُ هذا

فارفعْ يا دكتور القلمَا...

جففْ يا متعدٍ هذي الصُحُفَا

نزِّهْ نفسَكَ وامحقْ هذا الزَيْفَا

واقبلْ أشواقِي وتحياتِي اللهفَى ...