لو أنني
نسمةٌ في ثوبك،
أرتّلُ في خُطاك صلاةَ عطرٍ
لا تموت...
لو أنني
ظلُّ حلمٍ نامَ في الأحداقِ
ثمَّ استيقظَ،
حين داعبَ صوتُك
ذاكرةَ الطفولةِ في صدري
وراح يُحيي الزرقةَ في عينيَّ
بعد شتاءٍ من غيابْ…
أواهُ يا رجلا
منحت الضوءَ للمعنى،
وقبّلت الدروبَ
فأزهرتْ خطواتُنا
حنيناً لا يُشبهُه حنينْ…
أنا الآن وحيدة
أعانقُ ظلّي في المرايا
وأسألُ النورَ عن اسمك،
أسألُ الرّيحَ:
هل ما زال دفءُ يدَيك
يسكنُ حكايا الطفولة؟
وهل ما زال صوتُك
يعرفُ كيف يربّي في قلبي
أسرابَ الفراشات؟
وهل ما زال الشوقُ
يعرفُ العنوان؟
أم تاهَ في الزحامْ…؟
كُنّا…
كعصفورينِ في حضنِ القصيدةْ،
نبني العشَّ من الأملِ،
نُطرّزُ الوقتَ ضحكاتٍ
وننقشُ الشمسَ على جبينِ الأيامْ،
ثم…
ضاعت بنا الطرقاتْ
وافترقت بنا المواسمُ
كأنَّ الزهرَ قد ضلَّ الندى،
أو كأنَّ الغيمَ ما عاد يعرفُ كيف يبكي!
ليتني قنديلاً على نافذتك
أحرسُ المساء من حزنه،
أغني للضوءِ كي لا ينامَ بعيداً عن عينيك،
أكتبُ في الهواء
"لا زلتُ أحبك..."
وأبعثُها نداءً
في جناحِ يمامةٍ
هزّها الحنينْ...
إذا طار عصفوري
وحملتِك الرّيحُ بعيداً،
فسيبقى في الذاكرةِ
عبيرُ نكهتك الأولى،
ورائحةُ المساءِ
حين كنت تمر
كغيمةٍ تهمسُ للمطرْ…
قد يُخطئُ الزمانُ
وقد ينكسرُ الحلمُ على صخرةِ الواقعْ
لكنّ العاشقَة…
تبقى تحملُ شوقها
كما تحملُ الوردةُ عطرها،
لا يشيخُ
ولا يموتْ…
يا رجلا
علّمني كيفَ تنامُ الحكاياتُ
على صدرك كطفلٍ مدلّل،
ثم تفيقُ فجأةً
ولا تجدُ الدفءَ في المكانْ…
يا نجما
أشعلت فيَّ مواسمَ الضوءِ
ثم رحلت…
فكيفَ أعيدُ لقلبي
النجومَ التي ذبلت؟
وكيفَ أزرعُ الليلَ
وأنا أجهلُ مواقيتَ القمرْ؟
سأبقى أنسجُ من الذكرى
وشاحاً من القصائدِ،
ألبسهُ للغيمِ حين يبكي،
وأخطُّ على وجهِ الريحِ
أننا… كنّا،
وسنبقى في بعض المدى
نتلاقى…
ولو بين شهقةِ زهرةٍ
أو ومضةِ نجمةٍ
تذكرنا دون أن تدري…
فإن ضاعَ الطريقُ إليك،
وانكسرتْ بوصلةُ الرجاءِ
في بحارِ الوقتِ
وذابَ الحرفُ في جُرحِ القصيدة،
فلا تحزن…
سأبعثُ شوقي مع نسمةٍ عابرة،
تُلامسُ خصلةً من شعرك
وتهمسُ في أذنك القديمة:
"ما زالت تحبُّك… دونَ انتظارْ"…
سأكتبُ فوق ريشةِ طيرٍ
اسمَك بثغرِ القلب،
وأطلقُها
تطوفُ بين الغيمِ
علّها تمرُّ فوق نافذتكِ،
فتعلم
أنَّ كلَّ شيءٍ فيَّ
ما زال لك...
قد لا نلتقي يا رجل المواويلِ،
وقد لا يعيدُنا القَدَرُ
إلى ذاتِ المَسَاء،
لكنّي…
سأجمعُ صدى ضحكتك
وأزرعهُ تحت وسادتي
كلَّ ليلة،
كي أراك في المنامِ
قُبلةً…
أو طيفَ أغنيةٍ
تهدهدُ وحدتي.
وسأروي النسيمَ عنك
كلّما عبر نافذتي:
عن عينيك…
عن صوتِك حين تنادي اسمي
كأنّه صلاةٌ أولى،
وعن مساءٍ
كنت فيهِ الضوءَ والمرفأَ
والسكونْ…
فإن التقينا يوماً
في قصيدةٍ أخرى،
أو في حياةٍ
لم تكتبها الأقدار بعد،
سأحملُ إليك وردةَ الذكرى،
ومعها ريشةٌ
من جناحِ ذلك العصفور
الذي علّمتِه الطيران
ثم تركت له السماء…
ليُكمِل وحدهُ الحكاية.