لا تُحدّقوا في وجهي طويلًا،
فأنا مُجرّدُ شظيّةِ نَجمة
سقطَت ذات حُلمٍ في قلبِي الحزين،
وما زالَت تحترقُ بصمتٍ
في دموعها القديمة!
لا تُسائلوا ظلِّي عنّي،
هو أيضًا لا يعرفُ كيفَ أعودُ إلى نفسي،
أنا تلك التي تختبئُ في الورقةِ البيضاء
لترسمَ ضحكةً وهميّة
على جبينِ الضياء،
ثم تذوبُ كندفةِ ثلجٍ
في حضنِ أمنيةٍ حارقة.
أنا العابرة التي تعلّمت
أن تزرعَ القُبلَ في يدِ الريح،
وتخبئ وعودَها
في تجاويفِ الرعد،
أنتظرُ أن يُربّتَ الغيمُ على كتفي،
وأن يُخبرني المطرُ
بأنني ما زلتُ حيّة!
لا تُحاولوا ترجمةَ صمتي،
أنا أكتبُ بلُغةٍ لا تُرى،
أخطُّ على خدّ القمرِ اعترافاتي،
وأُرسلها كلَّ ليلةٍ
إلى بريدِ المستحيل.
أنا التي تهاتفُ القُبور
وتطلبُ منها أن تُعلّمها الحياة،
أنا التي تبكي على كفّ فراشة
حين تموتُ قبل أن تهمسَ لها
أين خبّأت الضوء!
أنا المجنونة...
نعم، لكنّي الوحيدة
الذي رأت الدمعة في ضحكةِ طفلٍ،
وفي ارتباكِ نجمةٍ
حين ناداها الليلُ باسمها!
أنا التي لا تكتبُ الشعر،
بل تستلُّه من ضلعِ الحنين،
وتتركه ينزفُ على أوراقِ الوقت،
ثم تطوّقُهُ ببخورِ الأمل
كأنّه قَصيدةُ نجاة
من طوفانِ الحياة.
لا تضحكوا على جرحي المفتوح،
هو نافذتي الوحيدةُ
إلى قلبِ العالم الاخر
هو المرآةُ التي
كسرتُها كي لا أرى
كم كنتُ وحيدة.
أنا المجنونة التي
تعلِّقُ صُورَ أحبّتها
على صدورِ الكواكب،
وتحفظُ أسماءهم
في أنفاسِ الرّيح،
وتقسمُ أنَّها ما نسيت أحدًا...
لكنّها نسيت نفسها.
أنا التي صنعَت من خيالها
سلّمًا إلى الهاوية،
ثم صعدَت عليهِ
لترى من فوقِها
أنَّ الحياةَ ليست سوى
مزحةٍ بَكينا منها كثيرًا!
أنا التي كتبَت في دفترها:
"الرجل التي أيقظني من نفسي،
وصنعني من دهشته.
لم يلدني بعد،
لكنه ترك لي في صوته
خريطةَ العودةِ
إلى نفسي!"
أنا المجنونة...
التي تربّي في قلبها
صوتًا لا يسمعه أحد،
وتهدهدُ فيه أملًا
ما زالَ يبكي كلّ مساء،
كطفلة نسيَت أن تكبر.
لا تُطفئوا شمعتي الأخيرة،
دعوني أرى بها
ظلالَ الذين مرّوا،
ثم غادروا دون أن يتركوا
غيرَ عطْرٍ لا يُفَسَّر!
أنا المجنونة...
التي تصادقُ الرعدَ،
وتسايرُ الغيومَ
إلى حيثُ لا طريق،
وتعلّمُ العتمةَ كيف تُحبّ.
قولوا عني ما شئتم،
لكن لا تنسوا:
أنا المراة التي طعنَت الحزنَ بكلمة،
وعانقَت الغيابَ كأنّه وطن،
وأحبَّت رجلا
لم يكن لها،
لكنه كتبَها في الهواء
لينساها...
فحملتْها الرّيحُ إليه!