تخطَّ إلى المحتوى

كان المطار يشهق كالكرسي المتعب

غير معروف

٥٧ بيت

النسيب

كَانَ المَطَارُ يَشْهَقُ كَالكُرْسِيِّ المُتْعَبِ،

وَالأَرْصِفَةُ تَتَنَفَّسُ وَجَعَ الْخُطَانْ،

كَانَتْ عُيُونِي بَحْرًا مُغْلَقًا،

وَأَنْتَ تَتَشَبَّثُ بِمَوْجٍ يَنْكَسِرُ

قُدَّامَ السَّفَرِ وَصَدَى الصَّفَارَاتِ وَالنِّدَاءَاتْ.

كُنَّا نُرَتِّبُ الأَحْلَامَ عَلَى حَقَائِبٍ صَغِيرَةٍ،

نَضَعُ فِيهَا ضَحِكَاتٍ بَالِيَةً

وَأَيَّامًا قَدِيمَةً مَضَتْ مِثْلَ قَطَارٍ سَرِيعٍ،

وَفِي الزَّاوِيَةِ … أَخْفَيْنَا صُوَرًا

كَأَنَّهَا أَجْنِحَةُ فَرَاشٍ هَشَّةٍ

تَخَافُ رِيَاحَ الحَزِينْ.

آهٍ …

يَا صَدَايَ الَّذِي يَتَرَاجَعُ فِي الجُدْرَانِ،

يَا اسْمِي الَّذِي نَادَيْتَهُ كَمَرَّةٍ أَخِيرَةٍ

وَأَنْتَ تُلَوِّحُ كَغُصْنٍ قُطِعَ مِنْ بُسْتَانِ،

آهٍ يَا دَمْعَكَ الَّذِي تَدَحْرَجَ عَلَى الأَرْصِفَةِ

وَانْكَسَرَ مِثْلَ نَجْمٍ مَطْفُوءَةٍ

فِي صَمْتِ السَّمَاء وَالْعُيُونْ.

المَطَارُ مَقْبَرَةٌ لِلْقُبَلِ المُؤَجَّلَةِ،

المَطَارُ مَذْبَحٌ لِلأَحْلَامِ الَّتِي

كَانَتْ تَكْبُرُ فِي أَحْشَائِنَا كَزَرْعٍ أَخْضَرَ

ثُمَّ قَطَعَهَا المَوْتُ بِمِنْجَلِ الغِيَابْ،

المَطَارُ يَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى تَذَاكِرٍ

تَصْرُخُ … وَأَنْفَاسُنَا تُطَارِدُهَا

كَسَحَابٍ مُمَزَّقٍ عَلَى أَبْوَابِ الرَّحِيلْ.

كُنْتُ أَقُولُ:

لَعَلَّ السَّفَرَ جِسْرٌ، وَاللِّقَاءُ يَنْتَظِرُنَا

فِي مَحَطَّةٍ أُخْرَى،

كُنْتُ أَقُولُ:

سَتُرَتِّبُ الأَقْدَارُ لَنَا وَعْدًا

يُضِيءُ فِي جَنَاحِ قَمَرٍ مَخْمُورٍ

وَيَكْتُبُ اسْمَيْنَا عَلَى شَفَةِ الزَّمَانْ.

وَلَكِن …

النِّدَاءُ الأَخِيرُ قَطَعَ حِبَالَ صَمْتِنَا،

وَخُطَاكَ اتَّجَهَتْ نَحْوَ بَابٍ مَغْلُوقٍ،

وَكُلُّ شَيْءٍ حَوْلِي انْكَسَرَ:

الجُدْرَانُ، الكُرَاسِي، الأَسْمَاءُ،

وَالأَحْلَامُ الَّتِي كُنَّا نُرَتِّبُهَا

فَوْقَ مَوَائِدِ اللَّيَالِي.

آهٍ …

كَمْ يَشْقَى القَلْبُ بِهَذَا الأَنِينْ،

كَمْ يَشْقَى الحَنِينُ فِي دَمِي

وَيَسْكُنُ مِثْلَ سُجُونْ،

كَمْ يَتَفَجَّرُ فِي جُرُوحِي أَلَمٌ

كَالنَّايِ يَبْكِي وَيُعَلِّمُ كُلَّ نَغْمٍ

مَعْنَى الغُرْبَةِ وَالفِرَاقِ وَالحُرُوفِ الحَزِينْ.

سَأَبْقَى أَرَاكَ فِي خَيَالِي تُلَوِّحُ،

سَأَبْقَى أَسْمَعُ صَوْتَكَ يَتَرَدَّدُ

فِي قَاعَةِ انْتِظَارٍ فَارِغَةٍ

مِثْلَ بُوقٍ تَائِهٍ بَيْنَ الحُطَامْ،

سَأَبْقَى أَرْسُمُ مَعَانِقَنَا فِي المَطَارِ

عَلَى وَجْهِ الغَيْمِ وَيَاسَمِينِ المَطَرِ،

وَسَأَقُولُ:

بَعْدَ أَجْمَلِ الذِّكْرَيَاتِ …

لَا يَبْقَى سِوَى بَقَايَا أُمْنِيَةٍ

تَذُوبُ فِي صَمْتِ الأَنْفَاسِ وَتَبْكِي

بِقَافِيَةٍ مِنْ أَلَمٍ وَأَنِينْ.