في خيمةِ الغيمِ البعيدْ
كنتُ أرسمُ ظلَّ روحي
فوقَ ماءٍ من سرابْ...
كلّما خطوتُ،
تكسَّرَ الضوءُ على وجهي
وتبعثرَ في المدى
صوتُ الغيابْ...
الريحُ تصرخُ في نوافذِ بيتيَ المهجورِ
والسقفُ القديمُ
تشقّقتْ أضلاعُه
مثلَ القلوبِ إذا انكسرتْ
من فرطِ وجعٍ مستعرْ...
في الركنِ
تجلسُ وردةٌ يابسةٌ،
كانَ اسمُها أُمّي...
تركتْ على الجدرانِ أمنيةً
وعلى الوسادةِ
ضوءَ سَهَرْ...
كم كنتُ أحملُ كفّ قلبي
نحو نافذةِ السماءْ
وأقولُ: يا ربّاهُ، هذا الليلُ أعمى
والمنابرُ لا تُصلّي
والملائكةُ اختبأتْ
من عتمةِ الفقرِ المُرَقَّمِ بالأوامرِ
والخطرْ...
قالوا: ستأتي الشمسُ،
لكنّي وجدتها
مشنوقةً
في ساحةِ الأخبارِ
مغتالةً على وجهِ القمرْ...
قالوا: تعالي، فهذي البلادُ تُحبُّ أبناءَ الترابْ
لكنني،
ما بينَ بوّابةِ الشقاءْ
وبينَ أصفادِ الجنودِ
نسيتُ أنَّ ليَ الوطنْ...
أنا لستُ أدري:
أيُّ موتٍ قد نجا مني؟
وأيُّ حياةٍ سكنتْني ثمَّ أجهشتِ البكاءْ؟
طفلة بداخلي
تركضُ بينَ ضلوعيَ الخائفة
تحملُ رغيفاً من طموحٍ
فتتَهُ حلمٌ هشٌّ كالمطرْ...
صوتي تمادى في المدى
فتحوَّلتْ
أوتارُهُ جراحاً
وسُفُنُ الرؤيا احترقتْ
في جفنِ بحرٍ من حجرْ...
فلا تلم
ظلَّ إنسانة أتت
تبحثُ في عينيك
عن شمسٍ تُحرّمها الصقيعْ
عن نبضةٍ
تنسى المواسمَ والرقيبَ
وتزرعُ الدفءَ في الضلوعْ...
فأنا الغريبة على تخومِ الوقتِ
أسكنني القطارُ
ولمْ يعدْ
يرضى المحطاتِ القديمةَ أو السفرْ...
قد كنتُ حينَ الحبُّ نهرٌ
حمامة من نورِ عشقٍ
تمسكُ الأغصانَ والضوءَ المهاجرَ
ثمّ ترحلُ حيثُ لا يدرِي المطرْ...
لا تسأل
عن آخرِ الخيباتِ في زمني،
فكلّ بدايةٍ كانتْ نهايه
وكلّ ضحكةٍ في الأرضِ
كانتْ تسترُ الدمعَ المُرَابِطَ في الزوايا...
لا تسأل
عن عاشقة
دفنت الجراحَ
ولا تزالُ
تهدي الحنينَ إلى الدجى
وتعلّقُ الأنفاسَ
في جيدِ المدى...
لكنْ... سيأتي
ذلك الصبحُ الذي
يمحو ارتجافَ الوقتِ من لونِ الشجرْ
وتُفَكُّ أصفادُ القوافي
حينَ تهتفُ في السماءْ:
كفى سقوطاً للقمَرْ!
سنعودُ نرسمُ في المدى
خُطواتِنا الأولى من الشوقِ المبشَّرِ بالوطنْ
ونقولُ: هذا الحلمُ من دمِنا
وهذي الأرضُ
تنبتُ من نزيفِ الياسمينْ...
فامنحني من يديك الآنَ دفءَ الاعتذارْ
دعني أغفو في رؤاك
كعاشقة
هربتْ خُطاها من الغيابِ
إلى احتضارْ...
ولا تبك
إنْ مرّ الزمانُ على جبيني مثلَ خنجرْ
فأنا سأُولدُ من دمي
حينَ تقومُ الأرضُ في يومِ
الانتصارْ...