في يديَ جريدةٌ
كأنها نافذتي الأخرى إلى الكون،
ورقٌ يهمسُ لي بما لا يُقال،
وحبرٌ يقطرُ كأنّهُ بقايا ليلٍ
لم يكتمل في داخلي.
أجلسُ عند حافةِ الصباح،
أسكبُ فنجانَ قهوتي ببطءٍ،
كأنني أصبُّ الزمنَ في دائرةٍ صغيرة،
والبخارُ يتلو معي تغاريدَ الضوء،
يرتفعُ كدعاءٍ
لا أعرفُ إلى من أُرسله.
أنا لا أقرأ…
أنا أُنصت...
كلُّ حرفٍ في جريدتي
يتدلّى كنجمةٍ خائفة،
وكلُّ سطرٍ يقتربُ مني
كأنّهُ رجلٌ
يحملُ وجهَ العالم
في جيبِ معطفه.
يقولُ لي:
"هنا حربٌ… وهناكِ ولادة،
هنا قلبٌ سقطَ في الشارع،
وهناكِ عاشقٌ يكتبُ اسمكِ على الهواء."
أبتسمُ نصفَ ابتسامة،
وأرشفُ قهوتي
كأنني أجرّبُ طعمَ الحقيقة.
أغزلُ الكلمات،
لا أقرأها فقط..
أُعيدُ خلقَها،
أمدُّ بينها خيوطًا خفيّة،
حتى تصيرَ الجريدةُ شلالًا
ينهمرُ من بين أصابعي...
أحدّثُ السطور،
أسألُها:
"لماذا تبدينَ متعبةً هكذا؟
من الذي مرَّ عليكِ قبل قليل؟
أيُّ قلبٍ نزفَ فوقكِ
حتى صرتِ بهذا السواد؟"
فيجيبُ السطرُ،
بصوتٍ يشبهُ صريرَ بابٍ قديم:
"أنا لستُ إلا مرآة،
وأنتِ…
أنتِ التي تعطينني المعنى."
فأضحكُ،
ضحكةً خفيفةً
توقظُ الغبارَ من فوق طاولتي،
وتعيدُ ترتيبَ الفوضى في رأسي.
تقتربُ العصافيرُ،
لا لتغني فقط..
بل لتشهدَ طقوسي الغريبة..
أنا،
امرأةٌ
أحاورُ ورقًا،
وأحبُّ رجلًا مصنوعًا من سطور.
في عينيَّ
تتكسرُ العناوينُ الكبرى،
تصيرُ أصغر…
أقرب…
أكثرَ هشاشة.
أقرأُ خبرًا عن مدينةٍ بعيدة،
فأشعرُ أن الشارعَ هناك
يمرُّ الآن من قلبي،
وأنَّ المارّة
يتركونَ آثارَ خطواتهم
في صدري.
أطوي الصفحة،
لكنني لا أُنهي الحكاية.
جريدتي تستمرُّ داخلي،
تتحوّلُ إلى ضجيجٍ خافت،
إلى أسئلةٍ بلا أجوبة،
إلى رجلٍ
يجلسُ قبالتي في الخيال
ويواصلُ الحديث.
"أخبريني،" يقولُ السطر،
"هل صدّقتِ شيئًا مما قرأتِ؟"
أجيبهُ وأنا أنظرُ إلى قهوتي
التي بردت دون أن أنتبه:
"أنا لا أصدّق…
أنا أشعر."
ثم أرفعُ جريدتي مرةً أخرى،
كأنني أرفعُ وجهًا
أريدُ أن أحفظَ ملامحه،
وأغوصُ…
أعمق،
أكثر جنونًا،
حيثُ تختلطُ الحقيقةُ
باللغة،
واللغةُ
بي..