تخطَّ إلى المحتوى

أنا لا أراك رجلا

شعر التفعيلة

١٣٥ بيت

الهجاء

أنا لا أراكَ رجلًا،

بل صدىً يتعثّرُ خلفَ كلِّ صوت،

ظلًّا يتسوّلُ شمسَ الآخرين

ويحسبُ الدفءَ بطولة.

يا أنتَ،

يا مُستعارَ الملامحِ

من وجوهِ العابرين،

تدخلُ المجالسَ بلا رأي

وتخرجُ منها

ممتلئًا بآراءِ الجميع.

كنتُ أراكَ

تلوّنُ جلدكَ

كلما تغيّرَ الطقسُ في عيونهم،

فإن قالوا: ليلٌ

قلتَ: الليلُ أجمل،

وإن قالوا ..

النهارُ خلاص

رفعتَ الشمسَ فوق كتفيكَ

كأنها من صنعكَ.

أيُّ فراغٍ هذا

الذي يسكنُ صدرك..

أيُّ خوفٍ

يكسّرُ عمودكَ الفقريّ

حتى تنحني

قبل أن يُطلبَ منك الانحناء..

أنا امرأةٌ

أعرفُ الرجالَ

من وقفةِ الحرفِ في أفواههم،

وأنتَ

حرفٌ مكسورٌ

يتلعثمُ قبل أن يولد.

تتباهى

بأنك لا تعادي أحدًا،

وما علمتَ

أنك لا تصادقُ أحدًا أيضًا،

أنتَ فقط

تذوبُ…

كقطعةِ ملحٍ

في كأسِ أقوى منك.

أمعةٌ أنتَ،

تستعيرُ الضحكةَ

والغضبَ

وحتى الحزن،

كأنَّ مشاعركَ

مخزنٌ عموميٌّ

مفتوحٌ لكلِّ المارّة.

رأيتُكَ

تصفّقُ لمن يهينك،

وتقول: الحكمةُ صبر،

وأنا أقول..

الذلُّ

حين يرتدي ثوبَ الحكمة

يصيرُ عارًا أنيقًا

يا هشَّ القوامِ

كقنديلٍ في ريح،

تخشى أن تقول لا،

لأنَّ ال لا

عندك

زلزال.

أتعلمُ..

أكثرُ ما يوجعني

أنك لا ترى عيبكَ،

بل تراه لُطفًا،

وتحسبُ انعدامَ الموقف

سلامًا.

سلامُ ماذا..

والروحُ بلا ملامح؟

والقلبُ بلا نبضٍ خاص؟

والكلمةُ

مجردُ صدى

لكلمةٍ قيلت قبلك..

أنا لا أكرهكَ،

الكراهيةُ تحتاجُ خصمًا،

وأنتَ

لا تصلحُ خصمًا،

لأنك

كلما حاولتُ أن أواجهكَ

تبدّلتَ

وصرتَ وجهي.

أمعةٌ

تعيشُ على حوافِّ القوّة،

تأكلُ من فتاتِ الشجعان،

وتشربُ من بقايا صراخهم،

ثم تدّعي

أنكَ شاركتَ المعركة.

كنتُ أودُّ

أن أراكَ مرةً

تخسرُ بشرف،

أن أسمعكَ تقول: هذا رأيي،

ولو كان هشًّا،

لكنّكَ

فضّلتَ أن تبقى

رأيًا متنقّلًا

بين الألسنة.

يا رجلًا

لا يقفُ وحده

إلا ليبحثَ عن صفٍّ ينضمُّ إليه،

يا ظلًّا

يبحثُ عن ظلٍّ أكبر

ليختبئَ فيه،

يا قلبًا

يخافُ أن ينبضَ وحده

كي لا يُتَّهَمَ بالتمرّد.

أنا امرأةٌ

لا تسندُها الجموع،

بل يسندُها صوتُها،

وأنتَ

لو تُركتَ في غرفةٍ فارغة

لاخترعتَ جمهورًا

كي تُرضيه.

أمعةٌ..

كلمةٌ صغيرة،

لكنها

بحجمِ غيابكَ

في حضوركَ.

وأنا

كلما نظرتُ إليكَ

رأيتُ

كيف يموتُ الرجلُ

حين يتخلّى

عن عمودهِ الداخليّ،

ويستبدلُه

بعكّازِ رضا الناس.

اذهبْ…

وابحثْ لكَ عن رأيٍ

يشبهُك،

عن كلمةٍ

تولدُ من صدرك

لا من أفواههم،

عن وجهٍ

لا يحتاجُ مرآةَ الآخرين

ليثبتَ أنه موجود.

أمّا أنا..

فإنّي

لا أراك.