تخطَّ إلى المحتوى

شعر التفعيلة

٥٤ بيت

النسيب

لعينيكَ،

تُهاجرُ السنابلُ من صدورِ الحقول،

وتتركُ خلفها قمحاً يتيمًا

يُناديني أن أجمعهُ

في كفوفِ انتظاري.

لعينيكَ،

أُعلّقُ قلبي على جدارِ الريح،

كفانوسٍ خائفٍ

يُحاصرُهُ ليلُ الغياب،

ثمّ أعودُ أبحثُ عن دفئي

بينَ أهدابِكَ.

لعينيكَ،

أتمشّى حافياً فوقَ لُجّةِ الوقت،

أسمعُ وقعَ خُطاي

كطبولٍ مكسورةٍ في حضرةِ العاصفة،

وأكتشفُ أنني

لم أخلق إلّا كي أسكنَ فيك.

لعينيكَ،

تنحني الصحراءُ كعاشقٍ يابس،

ويغدو الرملُ واحاتٍ

حين يلامسُ ظلَّكَ،

كأنّكَ سرُّ الماء،

وكأنّي عطشٌ أبديٌّ يركضُ خلفكَ.

لعينيكَ،

أكتبُ بالغيومِ على صفحاتِ الأفق،

وأخطُّ بالبرقِ رسائلَ حبٍّ سرّيّة

لا يقرؤها أحدٌ سواكَ.

لعينيكَ،

يذوبُ الحديدُ في دمي،

وتصيرُ عروقي أنهاراً،

وتصيرُ أنفاسي نايًا قديمًا

يعزفُ أنينَهُ على أبوابِكَ.

لعينيكَ،

أركعُ كطفلٍ ضائعٍ

في حضرةِ أبٍ أبديّ،

وأعترفُ أنني لم أتعلم الصلاة

إلّا حينَ نظرتُ إليكَ.

لعينيكَ،

كلّ المسافاتِ تنكمشُ،

كلّ الحدودِ تنكسرُ،

كلّ الخرائطِ تذوبُ،

فأغدو وطنًا بلا اسم،

يُقيمُ على رصيفِ حضوركَ.

لعينيكَ،

ينحني وجعُ الكون،

ويُصبحُ حزني زهرةً برّية

تنبتُ على أطرافِ جبينكَ.

لعينيكَ،

أصيرُ أنا،

وأصيرُ فيكَ،

وأصيرُ لكَ،

حتى تذوبَ الأنا

في بحرِكَ،

ولا يبقى إلّاكَ.