تخطَّ إلى المحتوى

شعر التفعيلة

١١٥ بيت

النسيب

أَيْنَ تَهْرُبُ مِنِّي…

وَأَنَا ظِلُّكَ حِينَ تَضِيعُ الجِهَاتُ…

وَأَنَا اسْمُكَ

حِينَ تَنْسَى الحُرُوفُ مَلَامِحَهَا

فِي فَمِ الرِّيح…

أَيْنَ تَهْرُبُ مِنِّي…

وَأَنَا النَّبْضُ العَالِقُ فِي خَاصِرَةِ الوَقْتِ…

كُلَّمَا حَاوَلْتَ أَنْ تَمْحُوَكَ…

كَتَبْتُكَ أَكْثَرَ…

بِصَوْتٍ جَرِيح…

أَنَا لَسْتُ امْرَأَةً تُقَالُ وَتُنسَى…

أَنَا جُنَّةُ اللَّهِ…

حِينَ تَفِيضُ السَّمَاءُ بِأَسْرَارِهَا

وَتَسْقُطُ فِي قَلْبِ شَاعِرٍ

لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ الفَرْقَ

بَيْنَ الجُنُونِ…

وَالنُّبُوءَةِ…

وَالنَّبْضِ الصَّحِيح…

أَنَا تِلْكَ الَّتِي

إِذَا مَرَّتْ عَلَى العَدَمِ

أَنْبَتَتْ فِيهِ احْتِمَالَاتٍ

مِنْ ضَوْءٍ…

وَوَجَعٍ…

مِنْ حَرْفٍ طَرِيح…

فَلَا تَسْأَلْنِي

كَيْفَ أَسْكُنُكَ…

وَأَنَا لَمْ أَطْرُقْ بَابَكَ يَوْمًا…

كُنْتُ فِيكَ

قَبْلَ أَنْ تُولَدَ الحِكَايَةُ…

وَقَبْلَ أَنْ تُخْتَرَعَ المَسَافَاتُ

بَيْنَ عَاشِقٍ…

وَمَنْفًى قَبِيح…

أَيْنَ تَهْرُبُ مِنِّي؟

وَأَنْتَ كُلَّمَا ابْتَعَدْتَ

اقْتَرَبْتَ مِنْ حَافَتِي أَكْثَرَ…

فَكُلُّ الطُّرُقِ تُؤَدِّي إِلَيَّ…

حَتَّى تِلْكَ الَّتِي رَسَمْتَهَا

كَيْ تَنْجُوَ…

فَتَسْتَرِيح…

أَنَا لَسْتُ نِهَايَةً…

أَنَا بِدَايَةُ التِّيهِ فِيكَ

حِينَ يَخْلَعُ العَقْلُ

عِبَاءَتَهُ القَدِيمَةَ…

وَيَجْلِسُ عَارِيًا

أَمَامَ مِرْآةٍ تَصِيح…

أَنَا الَّتِي

إِذَا نَظَرْتَ فِي عَيْنَيْهَا

رَأَيْتَ أَلْفَ حَيَاةٍ…

وَأَلْفَ مَوْتٍ…

يَتَصَافَحَانِ

فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ…

وَأَنْتَ فِيهَا ذَبِيح…

أَيْنَ تَهْرُبُ…

وَأَنَا صَوْتُكَ

حِينَ تَخْتَنِقُ الكَلِمَاتُ فِي حَلْقِكَ…

وَأَنَا دَمْعُكَ

حِينَ تَرْفُضُ أَنْ تَعْتَرِفَ

بِأَنَّكَ

مَا زِلْتَ طِفْلًا

يَبْحَثُ عَنْ حُضْنِ القَصِيدَةِ…

وَرُوحٌ فِيكَ تَسْتَرِيح…

لَا تَقُلْ إِنَّكَ نَسِيتَنِي…

فَالنِّسْيَانُ كِذْبَةُ العَاجِزِينَ…

وَأَنْتَ

لَمْ تَكُنْ يَوْمًا ضَعِيفًا…

كُنْتَ فَقَطْ…

تَخَافُ أَنْ تُحِبَّ

بِهَذَا القَدْرِ

مِنْ حَرِيقٍ يُطِيح…

أَنَا جُنَّةُ اللَّهِ الأَنْدَلُسِي…

حَيْثُ يَلْتَقِي

آخِرُ وَتَرٍ فِي العُودِ…

بِأَوَّلِ صَرْخَةٍ فِي القَلْبِ…

أَنَا نَشِيدُكَ

حِينَ تَخْذُلُكَ المُدُنُ…

وَأَنَا خَرَابُكَ الجَمِيلُ

حِينَ تَعُودُ

وَلَا تَجِدُكَ…

وَأَنْتَ فِي مَرْمَايَ جَرِيح…

أَيْنَ تَهْرُبُ مِنِّي…

وَأَنَا الوَطَنُ الَّذِي لَا يُرَى…

لَكِنَّهُ يَسْكُنُكَ

كَأَنْفَاسٍ لَا تُلْمَسُ…

أَيْنَ تَهْرُبُ…

وَأَنَا الَّتِي

كُلَّمَا حَاوَلْتَ دَفْنِي

أَزْهَرْتُ

فِي صَدْرِكَ…

أَكْثَرَ…

كَنَرْجِسٍ يُرَاقِصُ رِيح…

تَعَالَ…

لَا لِأَنَّكَ ضَعِيفٌ…

بَلْ لِأَنَّكَ تَعِبْتَ مِنَ الهُرُوبِ…

تَعَالَ…

لِنُعِيدَ تَرْتِيبَ الفَوْضَى

الَّتِي سَمَّيْتَهَا “حَيَاةً”…

وَنَكْتُبُهَا مِنْ جَدِيدٍ…

بِدَمْعٍ أَقَلَّ…

وَنَارٍ أَصْدَقَ…

بِلَهِيبِ المَدِيح…

أَنَا لَا أَطْلُبُكَ…

أَنَا أَسْتَدْعِيكَ…

كَمَا تَسْتَدْعِي السَّمَاءُ

مَطَرَهَا الأَخِيرَ…

فَإِنْ جِئْتَ…

سَأَكُونُكَ…

وَإِنْ لَمْ تَأْتِ…

سَأَبْقَى…

ذَلِكَ الصَّوْتُ

الَّذِي يُطَارِدُكَ

فِي كُلِّ قَصِيدَةٍ…

وَلَا يَمُوتُ…

لَا يَحْيَا بِكَ أَنْتَ…

إِلَّا

لِيَكُونَ حُبًّا صَحِيح…