تخطَّ إلى المحتوى

عندما يشيخ السنديان

شعر التفعيلة

١٠٥ بيت

الحكمة

عِنْدَمَا يَشِيخُ السِّندِيَان

لَا يَنْكَسِرُ فَجْأَةً…

كَمَا تَفْعَلُ الأَشْيَاءُ

حِينَ تَكْتَمِلُ وَتُعْلِنُ خَيْبَتَهَا..

بَلْ يَذُوبُ فِي صَمْتِهِ

كَنَجْمَةٍ

أَضَاعَتِ اسْمَهَا

عِنْدَ الفَجْرِ بِلَا عُنْوَان..

وَيَعُدُّ دَوَائِرَ عُمْرِهِ

كَمَنْ..

يَتَحَسَّسُ جُرْحًا قَدِيمًا فِي الرُّوحِ..

ثُمَّ يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً مَائِلَةً

تُرْبِكُ الجِهَاتِ…

وَتُغْلِقُ المَكَان..

يَقُولُ لِلْغَابَةِ

الَّتِي رَبَّتْهُ وَلَمْ تَفْهَمْهُ..

أَنَا لَسْتُ شَجَرَةً،

أَنَا ارْتِبَاكُ الضَّوْءِ..

حِينَ يَلْمِسُ ظِلَّهُ

لِلْمَرَّةِ الأُولَى فَيَرْتَدُّ حَيْرَان..

أَنَا خَطَأُ الرِّيحِ

حِينَ صَدَّقَتْ أَنَّ لَهَ يَدَان..

أَنَا الأَثَرُ الَّذِي..

يَسْبِقُ خُطْوَتَهُ

ثُمَّ يَضِيعُ…فِي النِّسْيَانْ..

عِنْدَمَا يَشِيخُ السِّندِيَان..

تَصِيرُ أَوْرَاقُهُ..

رَسَائِلَ بِلَا عَنَوِان..

تَرْتَعِشُ فِي يَدِ الهَوَاءِ

كَاعْتِرَافَاتِ طِفْلٍ مُتَأَخِّرَةٍ..

عَنِ الغُفْرَان...

يَرَى فِيهَا وُجُوهًا لَمْ يُولَدْ لَهَا..

وَأَصْوَاتًا تُنَادِيهِ بِاسْمِهِ..

وَلَا يَعْرِفُ لِمَاذَا…

هُوَ هُنَا الآنْ...

يَكْتَشِفُ مُتَأَخِّرًا

أَنَّ الجُذُورَ لَمْ تَكُنْ وَطَنًا..

بَلْ مُتَاهَةً...

تَنْزِلُ بِهِ أَكْثَرَ..

نَحْوَ ذَاتِهِ المُظْلِمَةِ..

حَيْثُ الصَّمْتُ كَثِيفٌ كَالْمَاءِ..

وَحَيْثُ كُلُّ شَيْءٍ يُقَالُ

يَنْكَسِرُ ..

قَبْلَ أَنْ يَلْمَحَهُ الأَمَان..

هُنَاكَ..

يَحْفِرُ فِي جَسَدِهِ

كَمَنْ يُنَقِّبُ عَنْ نِسْيَانِهِ..

يَسْأَلُ أَوَّلَ خَطِيئَةٍ..

لِمَاذَا كَبِرْتُ..

وَلِمَاذَا صَدَّقْتُ أَنَّ العُلُوَّ نَجَاةٌ..

وَلِمَاذَا صَارَ الضَّوْءُ سِكِّينًا

يَكْتُبُ عَلَى جِلْدِي…

وَكَأَنَّهُ امْتِحَانْ...

كَانَ يُمْكِنُهُ

أَنْ يَبْقَى بَذْرَةً..

أَنْ يَنَامَ فِي حِضْنِ التُّرَابِ..

بِلَا تَارِيخٍ..

لَكِنَّهُ اخْتَارَ السَّمَاءَ طَرِيقًا..

فَصَارَ الطَّرِيقُ دَائِرَةً

تَعُودُ بِهِ دَوْمًا

لِزَوَايَا الخُذْلَان..

الرِّيحُ الآنَ

لَيْسَتْ سِوَى مِرْآةٍ قَاسِيَةٍ..

تَرَى فِيهَا تَشَقُّقَاتِهِ بِوُضُوحٍ جَارِحٍ..

تُقَلِّبُ أَوْرَاقَهُ كَطَبِيبٍ يَائِسٍ..

وَتَهْمِسُ لَهُ كُلَّ مَسَاءٍ..

أَنْتَ تَتَنَاقَصُ…

كَأَنَّكَ فِكْرَةٌ..

فِي طَرِيقِهَا إِلَى النِّسْيَان..

يَا أَيُّهَا السِّندِيَان..

إِنَّ العَصَافِيرَ الَّتِي سَكَنَتْكَ

تَخْلَعُ دِفْأَهَا كَقَمِيصٍ قَدِيمٍ..

تَتْرُكُ الأَعْشَاشَ كَنُدُوبٍ مَفْتُوحَةٍ..

وَتَأْخُذُ مَعَهَا..

آخِرَ مَا تَبَقَّى مِنْ صَوْتِكَ..

حَتَّى ظِلُّكَ يَهْرُبُ مِنْكَ

كَخِيَانَةٍ بِلَا عُنْوَان...

عِنْدَمَا يَشِيخُ السِّندِيَان..

لَا يَمُوتُ…

بَلْ يَتَكَسَّرُ إِلَى احْتِمَالَاتٍ ضَائِعَةٍ..

خَشَبٌ لِبَيْتٍ لَا يَعْرِفُهُ...

وَدِفْءٌ لِأَيْدٍ لَمْ تَلْمِسْهُ..

وَاسْمٌ يَتَفَتَّتُ

فِي فَمِ الزَّمَان..

يَسْأَلُ نَفْسَهُ..

فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ..

هَلْ كُنْتُ أَنَا…

أَمْ كُنْتُ..

ظَنًّا طَالَ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ..

ثُمَّ يَسْقُطُ كَحَرْفٍ نَاقِصٍ،

يُحَاوِلُ أَنْ يُكْمِلَ جُمْلَةً

وَلَا يَجِدُ لَهَا لِسَان..

وَفِي العَتْمَةِ..

الَّتِي لَا تُغْفَرُ..

حَيْثُ لَا ذَاكِرَةَ وَلَا نَدَمَ..

تَنْشَقُّ مِنْ رَمَادِهِ بَذْرَةٌ تَضْحَكُ..

تَجْهَلُ كُلَّ مَا حَدَثَ..

وَتَبْدَأُ الحِكَايَةَ ..

مِنْ جُنُونِهَا الأَوَّلِ..

كَأَنَّ البِدَايَةَ دَائِمًا… خُسْرَان..

إِنَّهَا حِكَايَةُ شَيْخٍ…

شَيْخِ الأَخْشَابِ،

الَّذِي كُلَّمَا انْتَهَى

عَادَ بِاسْمٍ آخَرَ..

السِّندِيَان...