إلى المرفأِ الذي خلّفتُ فيهِ دمعتي،
وارتعاشةَ إصابعي
لمّا تعلّقَ بالكفوفِ ولم يُجِبْ...
عدتُ،
كأني أقتفي أثرَ الكلامِ على الجدارْ،
أشمُّ أنفاسَ العناقِ على المقاعدِ،
أستنطقُ الكرسيَّ عنكَ
وعن بقايا العطرِ حين تبخّرَ
من معطفي الضائعِ في ذلك النهارْ.
كلُّ الزمانِ هنا توقّف،
ما زال ضوءُ الشمسِ يحبو فوقَ ظلّكَ، لا يُغادرْ،
ما زال صوتُكَ
عالقًا في الريحِ،
تُغريهِ الحكاياتُ القديمةُ
كي يعودْ.
ما زلتُ أذكرُ كيفَ
كنتَ تمشي الهوينى،
تتساقطُ النجماتُ من عينيكَ
أو تُغفو على كتفي،
وكنتُ أظنُّ هذا الكونَ
حديقةً صغيرةً
بينَ كفّيكْ.
لكننا افترقنا...
واستدارَ العمرُ في عينيكَ، ثم مضى،
وصرتُ أعدُّ بينَ أنفاسي فصولَ الانتظارْ.
أواهُ كم من مرّةٍ
نادَى المدى عينيكَ
حتى ذابَ من حزنٍ،
تكسّرَ في الغيابِ على الجدارْ.
أنا لا أريدُ سوى يدًا
تشدُّ خيالي المكسورَ من قاعِ الضياعْ،
سوى عناقٍ
لا تزاحمُهُ السكاكينُ ولا الوجعْ.
ها قد رجعتُ إلى المكانِ...
كأنني طفلٌ أعادَ الحلمَ ثانيةً،
وصنعتُ من صوتِ المراكبِ نغمةً
تهدهدُ الجرحَ القديمْ.
ورجعتُ
أحملُ في الحقيبةِ وردةً،
قد جفّتِ الأحلامُ حولَ عروقِها،
لكنني ما زلتُ أؤمنُ أنَّ في بعضِ الذبولْ
تُخبّئُ الجذورُ ولادةَ الأغصانِ
وتستعدُّ لشمسٍ أخرى.
وسألتُ صخرَ الشاطئِ المكسورَ عنكَ،
وسألتُ موجَ البحرِ
هل قد مرَّ طيفُكَ؟
هل تنفّسَ صوتُكَ بين أمواجِ الحنينْ؟
قالوا: أتاكَ...
لكن يداً صغيرةً كانتْ تُمسكَ بالكفِّ الرجولية،
وطفلُكَ
كانَ يسابقُكَ إلى ضوءِ الصباحْ.
حينَ التقيتُكَ
كانَ وجهُكَ نائمًا
بينَ الأمانِ... وبينَ ماضٍ لا يُنامْ،
ورأيتُ كيفَ الحُلمُ
يغدو سلّمًا،
لكنه لا يُفضي إلينا... بل يُضيّعنا
إذا امتزجَ الزمانْ.
يا ليتني
ما جئتُ أبحثُ عنكَ في هذا المكانْ،
قد كان يكفيني الصمتُ،
لكنه... ما عادَ يحتملُ البكاءْ.
لكنني، رغم الذي كانَ،
ورغمَ تجاعيدِ الغيابِ على الجبينْ،
ما زلتُ أحملُ في ضلوعي زهرةً،
ما زال فيها نبضُ حبٍّ
يستحي من أن يلينْ.
ما زال في قلبي طريقٌ
لو خطوتَ عليه يومًا
قد يُضيءُ كما يُضيءُ الفجرُ
وجهَ العائدينْ.
وسأظلُّ
أجيءُ كلَّ مساءِ خيبةْ،
أحملُ أوجاعي
وخبزَ الحلمِ
للأمواجِ، للسُحبِ الكئيبةْ،
علّكَ إذا ما ملَّ طفلكَ من حكايا النومِ
جئتَ...
فوقَ نفس الصخرةِ الزرقاءِ
تبحثُ عن بدايةْ.
وسأكونُ هناك،
كظلِّ قمرٍ
لم يُغادرْ،
كوشوشةِ بحرٍ
ينتظرُ مراكبَكَ البعيدةْ،
كقصيدةٍ ضلّت طريقَها
لكنها ما زالت تؤمنُ أنَّ اللقاءَ
أمكنةٌ لم تخلقْ بعد...