تخطَّ إلى المحتوى

رجال من الإسفنج

شعر التفعيلة

١٠٥ بيت

المتفرقات

رِجَالٌ مِنَ الإِسْفَنْجِ…

لَكِنْ لَا أَحَدَ يَرَى المَاءَ

الَّذِي يَغْرَقُ فِي صُدُورِهِمْ.

يَمْشُونَ عَادِيِّينَ،

بِخُطَوَاتٍ لَا تُحْدِثُ صَرِيرًا،

كَأَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا

لَيْلَ العَالَمِ عَلَى أَكْتَافِهِمْ،

كَأَنَّ أَضْلَاعَهُمْ

لَمْ تَتَشَقَّقْ

مِنْ كَثْرَةِ مَا ضَمَّتِ الصَّبْرَ.

رِجَالٌ مِنَ الإِسْفَنْجِ

يَمْتَصُّونَ الوَجَعَ

كَيْ لَا يَفِيضَ فِي البُيُوتِ،

كَيْ لَا يَتَعَثَّرَ الأَطْفَالُ

بِأَحْزَانِهِمْ،

كَيْ لَا تَرَى النِّسَاءُ

كَمْ هُوَ هَشٌّ

هَذَا القَلْبُ

حِينَ يُغْلَقُ البَابُ.

يَبْتَلِعُونَ الأَلَمَ

كَمَا يُبْتَلَعُ الدَّوَاءُ المُرُّ

دُونَ مَاءٍ،

ثُمَّ يَبْتَسِمُونَ

كَيْ لَا يُقَالَ..

انْهَارَ.

لَا يَصْرُخُونَ،

لِأَنَّ الصُّرَاخَ

تَرَفٌ لِمَنْ لَدَيْهِ وَقْتٌ،

وَلَا يَبْكُونَ،

لِأَنَّ الدُّمُوعَ

تَأْخُذُ مِسَاحَةً

هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهَا

لِلِاسْتِمْرَارِ.

رِجَالٌ مِنَ الإِسْفَنْجِ

إِذَا انْكَسَرُوا

انْكَسَرُوا إِلَى الدَّاخِلِ،

كَسَفِينَةٍ غَرِقَتْ

وَلَمْ تُرْسِلْ إِشَارَةَ اسْتِغَاثَةٍ،

لِأَنَّ البَحْرَ

كَانَ مَشْغُولًا

بِنَجَاةِ الآخَرِينَ.

تَرَاهُمْ صَامِتِينَ

حِينَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا،

وَاقِفِينَ

حِينَ يُسْمَحُ لَهُمْ بِالسُّقُوطِ،

يُجِيدُونَ الوُقُوفَ طَوِيلًا

حَتَّى تَتْعَبَ الأَرْضُ

مِنْ حَمْلِهِمْ.

كُلُّ مَا لَمْ يُقَلْ

تَرَاكَمَ فِي صُدُورِهِمْ،

صَارَ وَزْنًا إِضَافِيًّا

فِي التَّنَفُّسِ،

صَارَ صُدَاعًا لَا يُشْفَى،

وَصَارَ شَعْرًا أَبْيَضَ

يَظْهَرُ فَجْأَةً

كَنَدْبَةٍ بِلَا مَعْرَكَةٍ.

رِجَالٌ مِنَ الإِسْفَنْجِ

لَا يُفَاوِضُونَ الأَلَمَ،

يَعْقِدُونَ مَعَهُ هُدْنَةً صَامِتَةً:

خُذْنِي بِبُطْءٍ،

لَكِنِ اتْرُكْ لِي

قُدْرَتِي عَلَى العَمَلِ،

عَلَى الحُبِّ،

عَلَى أَنْ أَبْدُوَ قَوِيًّا

حِينَ يَحْتَاجُنِي أَحَدٌ.

يَمْتَصُّونَ الخَيْبَاتِ

كَيْ لَا تَتَسَرَّبَ

إِلَى صَوْتِهِمْ،

إِلَى أَيْدِيهِمْ،

إِلَى عُيُونِهِمْ

حِينَ يَقُولُونَ...

أَنَا بِخَيْرٍ.

وَهُمْ

لَيْسُوا بِخَيْرٍ،

لَكِنَّهُمْ مُتَمَاسِكُونَ،

وَهَذَا أَخْطَرُ.

رِجَالٌ مِنَ الإِسْفَنْجِ

حِينَ يَتْعَبُونَ

لَا يَسْتَرِيحُونَ،

بَلْ يُغَيِّرُونَ مَوْضِعَ الأَلَمِ

وَيُوَاصِلُونَ.

وَحِينَ يَسْقُطُونَ…

لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ،

لِأَنَّ الإِسْفَنْجَ

يَسْقُطُ بِلَا ضَجِيجٍ،

وَيَعُودُ وَاقِفًا

قَبْلَ أَنْ يُلَاحِظَهُ أَحَدٌ.

وَفِي اللَّيْلِ،

حِينَ يَنَامُ العَالَمُ،

يَعْصِرُهُمُ الصَّمْتُ،

فَتَنْزَلِقُ مِنْ أَعْيُنِهِمْ

دَمْعَةٌ وَاحِدَةٌ،

سَرِيعَةٌ،

مَدْرُوسَةٌ،

كَأَنَّهَا خَطَأٌ

يَجِبُ مَسْحُهُ فَوْرًا.

رِجَالٌ مِنَ الإِسْفَنْجِ

لَيْسُوا ضُعَفَاءَ،

بَلْ مَحْشُوُّونَ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ،

مُشْبَعُونَ بِالصَّبْرِ

حَتَّى الِاخْتِنَاقِ.

وَالمُعْجِزَةُ الوَحِيدَةُ

أَنَّهُمْ

مَا زَالُوا

يَحْمِلُونَ.