تخطَّ إلى المحتوى

لا لقاءات بيننا

شعر التفعيلة

٩١ بيت

النسيب

لا لقاءاتٍ بيننا…

لكن الأرواح تعرفُ بعضها

كما تتعارفُ الغيماتُ الهاربة

في سماءٍ واحدةٍ لا يحدّها شيء…

أنا وأنت،

نقرأُ بعضَنا في صمتِ الليل،

كما تقرأُ النجومُ رسائلَ البحّارة

حين تضيعُ البوصلات…

كلّما ضاقت بي الأرضُ،

أركضُ إليك دون خريطة،

كأنّك حدود من نور

لا يحتاجُ لجوازات عبور.

وحين تلسعني الحياةُ

كجمرةِ اخر الليل

أهرع إليك

وفي صوتك ماءٌ…

يشبهُ المطر الأوّل

على شقوقِ العمر اليابسة…

نحن لا نلتقي،

لكنّ أرواحنا

ترقصُ معًا في غُربة واحدة،

كأننا وتدانِ في خيمة واحدة

تقاومُ عاصفةً من الذكريات.

ألا تذكر؟

كنا نضحكُ على لا شيء،

كنا نحفظُ مواعيدَ المساء

كما يحفظُ العاشقُ نغمةَ صوتٍ لا تُنسى،

نقترحُ الأحلام الكبيرة

ونعلّقها في سقفِ الأمل

كفوانيسَ لا تنطفئ…

تشاركنا الخبزَ وتشابك الايدي،

أكوابَ القهوة التي لم تُكملها

وتركتها لي كأنّك تقول:

خذي آخر طمأنينةٍ في فنجاني…

ضحكنا حتى ظنّ الحزنُ

أنّه غريبٌ بيننا،

كنا معا انت وانا

غنّينا للحياة

وهي تمرُّ من بين أصابعنا

بخفةِ طيف.

كنتَ كتفًا يليقُ بالبوح،

وصوتًا يعرفُ كيف يربّتُ

على زوايا روحي المتعبة،

وكنتُ أنا،

أحملُ عنك بعض تعبك

احمل عنك حقائبك

وصمتك الرهيب أثناء السفر

وأخفيه في دعاءٍ لا يسمعه سواي.

أعرفك…

من نبرة حنيني

من اهتزاز قلبي كلّما ناداك الغياب…

أعرفك كما تعرفُ الشجرةُ

ظلّها حين تغيب الشمس.

في ذكرياتك

في البوم صورنا

قصيدةٌ لا تنام،

وفي وجعي

ترتّل دعاء الصابرين

بصوتٍ لا أسمعه

لكنّي أشعرُ به

ينبتُ في صدري كالنور…

أخبّئك في كلّ زاويةٍ من قلبي

كما يخبّئُ المسافرُ صورَ الحنين

في محفظةِ الوقت.

نحنُ لا نلتقي…

لكنّك امامي ابحر في صورك

وذكراك الجميلة

كلّما مرّ الحنينُ بجواري،

وتسقي عطشي

بكأسٍ من حضورِكِ الخفيّ.

أنا وأنت…

نتنفسُ من ذات الهواء

ولو كنّا في قارتين،

نحملُ نفسَ الشوقِ

ونغنّي ذاتَ الأغنية

حين يصيبنا المساءُ بوحدته…

ما حاجتنا للقاءٍ

إن كان الدربُ بيننا

من نور؟

ما حاجتنا للمواعيدِ

إن كان قلبي يدقُّ كلّما فكرت بي

وأسمعُ صداه

في عمقِ المسافة…

دعنا نكون كما نحن…

سماءينِ تلتقيانِ في العيون،

نهرينِ يسيلانِ نحو بعضهما

في نومِ الفجر،

دعنا نكون

حكايتينِ منقوشتين

على جدارِ الوقت

لا يجفّ حبرُهما أبدًا…