عندما تكذبُ الرياح
لا تتّجهُ الجهاتُ إلى الجهات،
وتنسى البوصلةُ اسمَ الشَّمال
وتُصابُ الخرائطُ بالصرع.
أسمعُ الريحَ
تُقسمُ لي
أنَّ الغبارَ وطن،
وأنَّ الأشجارَ مؤامرةٌ خضراء
لإخفاءِ السماءِ عن العميان.
أمشي…
لكنَّ الأرضَ تنسحبُ من تحتِ خطاي
كسطر جريح
يخافُ أن ألمسه.
أقولُ...
أنا هنا.
فتضحكُ المسافة
وتلدُ ألفَ هنا...
لا واحدةَ تشبهُني.
عندما تكذبُ الرياح
تصيرُ الوجوهُ نوافذَ مكسورة
والعيونُ مرايا
لا تعكسُ سوى ما هرب.
أرى نفسي
متدليًا من اسمي،
مثل معطفٍ نُسيَ على شماعةِ الزمن،
تنهشُهُ العثّةُ
وتقرأُ فيهِ سنواتي بصوتٍ عالٍ.
أيتها الرياح،
لماذا تقولين إنَّ الطريقَ مستقيم
وأنا أرى ظهري أمامي...
لماذا تعدِينني بالوصول
وكلُّ وصولٍ
يُسقِطُني من جهةٍ أخرى
في الليالي التي تكذبُ فيها الرياح
تستيقظُ الأشياءُ الصغيرة...
المفاتيحُ..
تتذكّرُ أبوابًا لم أفتحها،
الأحذيةُ...
تحلمُ بأقدامٍ أخرى،
والساعةُ تتوقّف...
ليس لأنها تعطّلت
بل لأنها رأت النهاية
فأغمضت عينيها.
أجلسُ مع ظلّي
نحتسي الصمت،
نتبادلُ الاتهامات..
هو يقول إنني خنتهُ بالضوء،
وأقول إنه باعني للظلام
بأرخصِ فكرة.
ويصبحُ الكلامُ فخًا،
كلُّ جملةٍ حبل،
وكلُّ حقيقةٍ..
مجرّد تدريبٍ على السقوط.
أكتبُ…
فتنزفُ اللغة،
تتعثّرُ الحروفُ في بعضها
كجنودٍ عادوا من حربٍ
لا يعرفون لماذا نجوا.
أبحثُ عن معنى
فأجدهُ يبدّلُ قناعه،
مرةً حكمة،
مرةً سخرية،
ومرةً جرحًا
يتظاهرُ بأنه نافذة.
أيتها الرياح الكاذبة،
علّميني كيف لا أصدّقك،
كيف أزرعُ قدميَّ ...
وأمشي.
علّميني
كيف أكونُ هشًّا بلا انكسار،
وحادًّا بلا سكين،
ووحيدًا
دون أن أتحوّلَ إلى صحراء.
وعندما تكذبُ الرياح
أفهمُ أخيرًا..
أنَّ الجنون
ليس أن نضيع،
بل أن نُطالِبَ الطريقَ
بأن يكون صادقًا.
وأنَّ أعمقَ شكلٍ للنجاة
هو أن تمشي
وأنتَ تعلم
أن الريحَ تكذب…
ومع ذلك
تتركُ صدركَ مفتوحًا
للعاصفة..
فلماذا كذبتي يا ريح...