فِي الهَزِيعِ الأَخِيرِ،
حِينَ تَتَهَدَّمُ أَبوَابُ بَيْتِي،
وَتُغْلِقُ الأَرضُ جَفنَيْهَا
كَأُمٍّ خَذَلَتْهَا العَوَاصِفُ،
أَمشِي عَلَى طُرُقَاتٍ
تَكسُوهَا العِظَامُ اليَابِسَةْ،
وَأَحمِلُ فِي صَدرِيَ طِفلَةَ حُلمٍ،
أَرضَعتُهَا مِن دُمُوعِي،
كَبِرَتْ فِي مَسَامِّ رُوحِي،
تَسأَلُنِي:
«مَتَى يَنهَضُ الغَدُ
مِن تَحتِ الرُّكَامْ؟»
أَمُدُّ لَهَا يَدِي،
يَدِي الَّتِي صَارَتْ كَالعَاصِفَةِ،
تَجرَحُ لَكِنَّهَا تَزرَعُ وَردًا،
يَدِي الَّتِي تُشعِلُ فِي اللَّيلِ
أَعمِدَةً مِن بَقَايَا النُّجُومْ.
وَ أَشْعَلْتُ فِي السَّمَاءِ أَلْفَ قَمَرٍ
وَ زَرَعْتُ فِي التُّرَابِ غَابَاتٍ مِنْ أَغَانِيَّ.
أَنَا لَستُ وَحدِي،
وَرَائِي جُمُوعٌ مِن الأَنِينِ،
وَجَسَدِي سَاحَةٌ لِلرَّفضِ،
وَقَلبِي قَوسُ بَرقٍ،
يُضِيءُ كُلَّ العُصُورِ البَعِيدَةْ.
أَسمَعُ التَّارِيخَ يَتهَدَّمُ
كَقَصرٍ مِن طِينٍ،
وَأَرَى وُجُوهَ الأَموَاتِ
تَمشِي إِلَى جَانِبِي،
تَحمِلُ عَلَى أَكتَافِهَا
صَرخَاتِ الجِيَاعِ،
وَتَقُولُ:
«اِنهَضي،
فَالطُوفَانُ لَم يَأتِ عَبَثًا،
وَالرَّمَادُ وِعَاءُ الوِلادَةْ.
أَفتَحُ صَدرِي
كَنَافِذَةٍ لِلهَوَاءِ،
أَدعُو الفُقَرَاءَ أَن يَدخُلُوا،
أَدعُو الأَطفَالَ أَن يُغَنُّوا،
أَدعُو الأُمَّهَاتِ أَن يَغسِلنَ الأَرضَ
بِدُمُوعِ الحَلِيبِ،
وَأَكتُبُ عَلَى جِدَارِ المَدِينَةِ:
«لَيسَ الخَرَابُ نِهَايَةً،
إِنَّمَا هُوَ طَرِيقٌ
إِلَى مِيلادٍ جَدِيدٍ.
هَكَذَا يَدُقُّ قَلبِي،
هَكَذَا تَسِيرُ خُطَاي،
هَكَذَا يَتَكَسَّرُ لَيلُ السَّلَاطِينِ
فِي حَديقَتَي.
أَنَا هُوَ الإِنسَانُ،
وَجهِي مَرَايَا الخُلُودِ،
دَمعِي نَهرٌ يَفِيضُ عَلَى القُبُورِ،
لَكِنَّهُ يُوقِظُ الأَزهَارَ
مِن سُبَاتِهَا،
أَنَا هُوَ الإِنسَانُ،
مَخلُوقٌ مِنْ طِينٍ،
لَكِنَّنِي أُشعِلُ فِي الطِّينِ
قِندِيلَ سَفَرٍ،
وَأَفتَحُ فِي النَّارِ
بَابًا إِلَى الخِصَبِ،
إِلَى شَمسِ يَومٍ
لَم يُولَدْ بَعدُ.
أَقُولُ:
لَن تَنطَفِئَ الكَلِمَةُ،
لَن يُطفِئُوا الشَّجَرَ الَّذِي يَسكُنُ صَوتِي،
لَن يَكسِرُوا الرِّيحَ الَّتِي
تَحمِلُ فِي جَوفِهَا
حِكَايَةَ كُلِّ المَقهُورِينَ،
أَنَا الغَرِيبَةُ،
لَكِنَّنِي الوَطَنُ،
أَنَا الجَرِيحَةُ،
لَكِنَّنِي البِدَايَةُ،
أَنَا المَوتُ،
لَكِنَّنِي أَيضًا
مِيلَادُ هَذَا الزَّمَانْ.
لَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْجُنُونِ،
وَأَنَا أَرَاهُ عَلَى شُرْفَةِ بَيْتِي،
يُرَاوِدُنِي كَطِفْلٍ تَعَلَّمَ السِّحْرَ،
وَأَنَا أَقُولُ لَهُ:
هَلُمَّ،
لِنَبْنِي مِنَ الْخَرَابِ حَدَائِقَ،
وَمِنَ الرَّمَادِ أَجْنِحَةً،
وَمِنَ الْفَقْرِ قَنَادِيلَ.
هَذَا هُوَ صَوْتِي،
وَهَذِهِ نَارِي،
وَهَذَا هُوَ اسْمِي.