تخطَّ إلى المحتوى

وقفت على أول الشوارع صامتة

الطويل

١٩ بيت

النسيب

وَقَفْتُ عَلَى أَوَّلِ الشَّوَارِعِ صَامِتَةً

أُطِيلُ الْوُقُوفَ كَأَنِّي أَسْتَعِيدُ صِغَارَا

هُنَا كُنْتُ أَسْكُنُ، وَالْبُيُوتُ قَرِيبَةٌ

مِنَ الْقَلْبِ، لَا تُخْفِي الْمَحَبَّةَ جَارَا

هُنَا عِشْتُ طِفْلَةً، وَالنَّهَارُ رَفِيقُنَا

يُدَلِّي عَلَى ضَحَكَاتِنَا الْعُمْرَ نَضَارَا

أَعْدُو، وَالْحَصَى يَعْرِفُ الِاسْمَ كُلَّهُ

وَيَحْفَظُ مِنْ خَطْوِي الصَّغِيرِ مَسَارَا

أَيَا شَارِعَ الْأَمْسِ الْبَعِيدِ، أَمَا تَرَى

مَلَامِحَ طِفْلِي حِينَ مَرَّتْ تُدَارَا؟

هُنَا كَانَتِ الْأُمُّ تَضُمُّ تَعَبَ الصِّبَا

إِذَا ضَاقَ صَدْرِي شَدَّدَتْنِي وَقَارَا

وَكَانَ دُعَاؤُهَا إِذَا اللَّيْلُ أَقْبَلَا

كَسَيْفٍ مِنَ النُّورِ أَضَاءَ اسْتَدَارَا

وَهُنَا أَوَّلُ الدَّمْعِ انْحَدَرَ صَادِقاً

فَأَنْبَتَ فِي قَلْبِي الرَّجَاءَ جِهَارَا

كَبُرْتُ، وَكَبَّرَنِي الرَّحِيلُ فَجَاءَةً

وَحَمَلْتُ فِي عَيْنِي الطَّرِيقَ وَسَارَا

سَافَرْتُ، لَكِنِّي الْتَفَتُّ مُوَدِّعَةً

كَأَنِّي أُخَلِّي الْقَلْبَ خَلْفِي دِيَارَا

رَأَيْتُ الشَّوَارِعَ تَصْغُرُ فِي الْمَدَى

وَكُنْتُ أَنَا أَصْغَرَ حِينَ أَدَارَا

مَضَيْتُ، وَكُلُّ الْأَرْضِ كَانَتْ غَرِيبَةً

سِوَاكِ، فَكُنْتِ الْوَطَنَ الْمُخْتَارَا

وَمَرَّتْ سُنُونٌ، وَالْحَنِينُ مُعَلَّقٌ

عَلَى الذَّاكِرَةِ الْبَيْضَاءِ نَارَا

وَقَفْتُ عَلَى أَوَّلِ الشَّارِعِ مَرَّةً

فَأَقْبَلَ عُمْرِي فِي انْدِفَاعٍ قِطَارَا

هُنَا ضَحْكَتِي الْأُولَى الَّتِي كُنْتُهَا

وَهَذَا ظِلِّي الصَّغِيرُ يُجَاوِرُ دَارَا

أَيَا شَارِعَ الذِّكْرَى، أَيَا أَوَّلَ الْحُلْمِ

هَلْ مَا زِلْتَ تَعْرِفُنِي اسْتِقْرَارَا؟

تَعَلَّمْتُ مِنْكَ بِأَنَّ مَنْ عَاشَ طِفْلًا

سَيَحْمِلُ لِلْمَكَانِ الْعُمْرَ أَنْوَارَا

فَمَا خَانَ يَوْماً مَوْطِنٌ رَبَّى الْفُؤَادَ

وَلَا نَسِيَ الْقَلْبُ الَّذِي كَانَ دَارَا

فَيَا شَارِعَ الرُّوحِ الْقَدِيمَةِ إِنَّنِي

سَأَحْمِلُكَ الْعُمْرَ اشْتِيَاقاً وَفَخَارَا