رحيلي عنكَ، عزَّ عليَّ جِدّا
وداعاً أيها الوطنُ المفدَّى!
وداعَ مفارقٍ، بالرغم شاءتْ
له الأقدارُ، نيل العيش، كدّا!
وخيرٌ من رفاه العيش، كدٌّ
إذا أنا عشت، حرّاً مستبدا
سأرحل عنك يا وطني وإني
لأعلم أنني قد جئت إدّا
ولكني أَطعتُ إباء نفسٍ
أبتْ لمرادها في الكون حَدّا
علوُّ النفس، إن عظمتْ شقاءٌ
يلذُّ لمن إلى المجد استعدّا
إذا رُزِقَ الفتى نفساً عزوفاً
تهاوَنَ بالخطوب وزاد جِدّا
طلبتُ العزَّ في وطني مقيماً
فأوسعني زمان السوء رَدّا
سأركب عزمةً حذّاءَ أمضي
أقُدُّ بها حجاب الغيب قَدَّا
أبلِّغها وراء السعي عذراً
لِنُجْحٍ صدَّ عنها أو تصدَّى
سواءٌ عاد بعد الجهد ساعٍ
بفوزٍ، أم سعى حتى تردَّى
فلم أرَ راضياً بالعيش، إلا
ضعيفاً أو من الجُبن استمَدّا
ويا وطني هجرتك لا لبُغْضٍ
ولا أني منحت سواك ودّا
فلا واللهِ ما هاجرت حتى
جهدت ولم أجد من ذاك بُدّا
يقول ليَ الصديق أرِحْ رِكَاباً
فإنك واجدٌ أربًا، وجَدّا
يكلِّفني لأبلغ من حطامٍ
غِنىً أرضى به ليدَيَّ قِدّا
فقلت لطالب الإحسان قيداً
قبول القيد من شِيم العِبِدّا
هداك الله كيف تطيبُ نفسي
وفي عنقي أرى للأَسْر قيدا
تعفَّفْ ليس غيرُ الله يعطي
بلا مَنٍّ ولا شكرٍ يُؤَدَّى
ويا وطني نبا بي عنك حبٌّ
وأحياناً يكون الحب صَدّا
وقد يأتي الغيورُ بما يراه
خليٌّ من جوىً للعقل ضِدّا
فلست أُلام في تَرْكي حبيباً
أرى في حبه الأعداءَ نِدّا
ويا وطني، وداعًا! من محبٍّ
تحيّرَ رأيه، أخذًا وردّا
وداعاً لا أظن له لقاءً
فوا أسفاً، إذا ما البين جدّا
أناديه وقد زُمَّتْ ركابي
وهَدَّ البين ركن الصبر، هدّا
وجاشت تخنق العبراتُ صوتي
وداعاً أيها الوطنُ المفدَّى