في الليل خبأتُ ألعابي بدُرج أبي
في الصبحِ لم ألقَ أدراجي ولا لُعَبي
لعبتُ بالأمسِ حتى نمتُ مِن تعبي
واليوم لم يبقَ لي شيءٌ سوى التعبِ
بالأمس قبّلتُ (بابا) فوق وجنتِهِ
واليوم قبّلتُهُ في الشاش والقُطَب
بالأمس فكرتُ لو ما رُحتُ مدرستي
غدًا وخلّيتُهُ للّهو واللعبِ
واليوم مدرستي بيتي وليس بها
مُدرساتي ولا درسي ولا كتبي
بالأمس.. ما الأمس! جُرحٌ شق ذاكرتي
واليومَ.. ما اليومُ! جرحٌ نازفٌ غضبي
في الليل نمتُ ولم أذكر متى انفجرَت
فينا القيامة بالنيران واللهب
وقمتُ يحملني (بابا) ويركض بي
على السلالمِ، والجيرانُ في صخبِ
والسقف يهوي ترابًا فوق أرؤسنا
والبيت يهوي ب(بابا) في التراب وبي
حتى تجمد في أنقاضه جسدي
وفوقه كُتل الأحجار والخشب
ونمتُ ثانيةً من شدة التعب
أو متُّ أولى من الأهوالِ والرهبِ
وكم ينام بنو قومي بلا فُرُشٍ
وكم يموت بنو قومي بلا سبب
وفي الصباح رأيتُ المنقذين وقد
نحَّوا ترابَ الردى عن خديّ الرطبِ
يقول (عمو) الذي قد جاء يسعفني
ما اسم الجميلة ذات الحسن والأدب؟
ميسونُ، ميسون محمودٌ علي، وأبي
قد كان يحملني في القصف، أين أبي؟
رأيتُ في بهو مستشفى الشفاء على
جبينه الجرح لم يُمسك ولم يطبِ
والشاشَ أحمرَ مِن فرط الذي نزفَت
عروقه مِن عريق العز والحسب
يجري على الأرض لا اهتز الغريب له
ولا تداعت إليه أمة العرب
(بابا)، وقبّلتُهُ، لا صوت أسمعه
ولا أرى عينَه في الشاش والحُجُب
(بابا)، وقال كلامًا لستُ أفهمه
(بابا)، ونام طويلًا، نام في هُدُبي
وفي المخيم في أفناء مدرستي
قضيتُ عمرًا جديدًا غيرَ محتسَبِ
أنام فيه على جلدي ويوقظني
بردُ التراب الذي لم يحترم نسبي
وأستريح على عظمي لأحمله
غدًا إذا كَلّ عن تحريكه عصبي
وازّاحم الناسُ في الطابور يُعجلهم
صوت المنادي: فطورٌ جاء في العُلب
واهتمّ كل أبٍ في القوم بابنته
وقمتُ وحدي على نفسي بغير أبِ
وفي المخيم صاحبتُ الجميع بلا
قصدٍ وشاركتهم في الحزن والطرب
فكل نازحةٍ أختٌ لنازحةٍ
وكل مغترِبٍ إلفٌ لمُغترِب
محمدٌ من جبالْ يا (شعرُهُ ذهبي)
ميسون مِن بيت لاهْ يا – ما لكِ؟ اقتربي
لا شيء لكنني (صمتٌ لثانيةٍ)
وامتد حبل حديث الموت والهرب
كلٌّ يحدث كلًّا عن مصيبتهِ
وعن أمانيِّه لو كان لم يُصَب
وعن مصارع أهليه التي سلفت
في ألف نكبة مظلومٍ ومغتصَبِ
وعن قديمٍ جديدٍ ليس يسأمنا
وإن سئمناه في حِلٍّ ومغترَب
حتى إذا أعلنوا للناس هدنتهم
خرجتُ باحثةً عن بيتنا الخرِبِ
ملء الطريق دمارٌ غير منقطعٍ
وملء نفسي حطامٌ غير منتصبِ
والبيتُ مبتسمٌ، وجه الركامِ، له
صوتٌ يقول أبي في البيت لم يغبِ
ما حرك الناسُ بعضًا مِن خرائبه
إلا وأبصرتُ فيها الدرجَ، درج أبي