أَمْشِي..
وَلَا الأَرْضُ أَرْضٌ تَحْتَ خَطْوَتِي
وَلَا السَّمَاءُ سَمَاءْ
أَمْشِي
كَأَنِّي فِكْرَةٌ هَرَبَتْ مِنْ رَأْسِ الْحِكْمَةِ
وَنَسِيتُ أَنْ أَعُودَ
فِي سَلَّتِي...
أَحْمِلُ..
قَوَارِيرَ زُجَاجٍ رَفِيعَةً
مُغْلَقَةٌ بِإِحْكَامٍ
كَأَنَّهَا قُلُوبٌ صُغْرَى
كُلُّ قَارُورَةٍ
كَانَتْ يَوْمًا عَيْنًا
أَوْ حُلْمًا
أَوْ خَيْبَةً لَمْ تَجِدْ فَمًا لِتَصْرُخَ مِنْهُ
تُنَادِي بِصَوْتٍ
لَا يُسْمَعُ..
بَلْ يُشْعَرُ
دُمُوعٌ طَازَجَةٌ
دُمُوعٌ قَدِيمَةٌ
دُمُوعٌ لَمْ تُسْتَعْمَلْ بَعْدُ
وَهُنَاكَ رَجُلٌ يَقْتَرِبُ..
كَانَ يَمْشِي مُسْتَقِيمًا أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ
كَأَنَّ ظَهْرَهُ مِسْمَارٌ
كَأَنَّ الْبُكَاءَ خِيَانَةٌ عُظْمَى
قَلتْ لَهُ...
خُذْ هَذِهِ..
قَارُورَةٌ ثَقِيلَةٌ
فِيهَا دُمُوعُكَ الَّتِي لَمْ تَسْقُطْ
دُمُوعُ..
يَوْمَ مَاتَ وَالِدُكَ
وَيَوْمَ رَبِحْتَ الْحَرْبَ
وَخَسِرْتَ نَفْسَكَ
خُذْهَا..
لِتُعِيدَ لَكَ وَزْنَ قَلْبِكَ
فَشَرِبَ..
فَانْكَسَرَ دَاخِلَهُ شَيْءٌ قَدِيمٌ
وَسَقَطَتْ مِنْ عَيْنِهِ
سَنَوَاتٌ..
سَنَوَاتٌ كَامِلَةٌ
كَانَ يَحْمِلُهَا فِي جَيْبِ صَوْتِهِ
وَمَشَى بَعْدَهَا مُنْحَنِيًا..
أَخَفَّ..
وَأَصْدَقَ
ثُمَّ جَاءَتِ امْرَأَةٌ
مُمْتَلِئَةٌ بِالصَّمْتِ
كَانَتْ تَبْتَسِمُ
كَأَنَّهَا تُخْفِي سِكِّينًا فِي فَمِهَا
أَنْي أَعْرِفُكِ..
أَنْتِ الَّتِي بَكَتْ بَدَلَ الْجَمِيعِ
حَتَّى جَفَّ اسْمُكِ
أَخْرَجَتْ لَهَا قَارُورَةً شَفَّافَةً
فَارِغَةَ الْمَظْهَرِ..
هَذِهِ دُمُوعُكِ الَّتِي لَمْ يَرَكِ أَحَدٌ
دُمُوعُ الْقَهْرِ
دُمُوعُ اللَّيْلِ
دُمُوعُ الْجَسَدِ حِينَ لَا يُصَدَّقُ
سَكَبَتْهَا الْمَرْأَةُ عَلَى صَدْرِهَا
فَانْفَجَرَ الْحَنِينُ
وَتَكَسَّرَتِ السِّنِينُ
وَجَلَسَتْ تَبْكِي
كَطِفْلَةٍ بِلَا شُهُودٍ
ثُمَّ جَاءَ الطِّفْلُ
حَافِيًا..
عَيْنَاهُ وَاسِعَتَانِ
كَأَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَكْذِبْ عَلَيْهِ بَعْدُ
قَالَ..
هَلْ عِنْدَكِ دُمُوعٌ لِلَّعِبِ..
ضَحِكَتْ..
ضَحْكَةً مَكْسُورَةً
وَأَعْطَيتْهُ قَارُورَةً صَغِيرَةً
فِيهَا دَمْعَةٌ وَاحِدَةٌ
فَقَطْ..
هَذِهِ..
إِنْ كَسَرْتَهَا
سَتَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ
وَإِنِ احْتَفَظْتَ بِهَا
سَتَبْقَى نَقِيًّا
فَوَضَعَهَا الطِّفْلُ فِي فَمِهِ
كَحَلْوَى..
وَبَكَى فَوْرًا
لَا أَلَمًا..
بَلْ مَعْرِفَةً
كَبُرَ فِي لَحْظَةٍ
ثُمَّ عَادَ طِفْلًا
ثُمَّ نَامَ..
مَعَ الْغُرُوبِ
خَفَّتِ السَّلَّةُ
لَكِنَّ ظَهْرَهَا انْحَنَى أَكْثَرَ
فالدُّمُوعُ لَا تُبَاعُ
قُلْتُ لِنَفْسِي...
إِنَّهَا تَعُودُ فَقَطْ..
إِلَى أَصْحَابِهَا
بَعْدَ أَنْ تَتَوَحَّشَ..
وَعِنْدَمَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ..
فَتَحْتُ آخِرَ قَارُورَةٍ
كَانَتْ بِلَا اسْمٍ
شَرِبْتُهَا..
وَبَكَيْتُ..
فَأَنَا لَا أَبِيعُ الْبُكَاءَ
أَنَا أَسْتَعِيدُهُ
أَضَعُهُ فِي أَيْدِيكُمْ
كَيْ لَا يَتَحَوَّلَ دَاخِلَكُمْ
إِلَى وَحْشٍ..
وَحِينَ أَفْرَغُ..
أَمْشِي
خَفِيفَةً..
كَدَمْعَةٍ
نَسِيَتْ..
مِنْ أَيِّ عَيْنٍ
سَقَطَتْ