تخطَّ إلى المحتوى

يا ليل ترقرق بدموعك

غير معروف

١٥٢ بيت

الرثاء

يا ليلُ ترقرقْ بدموعكَ

يا ليلُ ... فراقاً بعدَ فراقْ !

ما عادَ الروحُ يطيقُ الوحشةَ

والوحشةُ ليسَ تُطاقْ

تحتَ القمرِ الغاربِ

قلبٌ يتدفّقُ بالدمعِ الساخنِ

_ آهٍ يا ربُّ _

وللغربةِ آخرُ أغنيةٍ

تنتحبُ الآنَ على الأشجارِ المنتحبه !

آهٍ يا ربَّ الغربةِ

ما أصعبَ هذي الغربه !

ما أصعبَ هذا اليأسَ العاقْ !

ألفُ كمانٍ تتألّمُ موسيقاهُ

المصلوبةُ بالأصواتِ السودِ

وألفُ غرابٍ

يغرزُ مخلبَهُ الجائعَ في النفسِ المكتئبه !

آهٍ يا ربَّ الغربةِ

من يرحمُ روحَ الراهبِ

حين تحيطُ وحوشُ الوحدةِ

كالأشباحِ مراثيهِ

ويغدو منتصفُ الليلِ الموحشُ

نعشاً لمراراتِ الروحِ المغتصبه ؟

من يرحمُ روحَ الراهبِ

حين تموتُ من الإرهاقْ ؟

مغترباً وسطَ رياحِ الأرضِ الأربعِ

يرتفعُ البحرُ بإيقاعِ الحزنِ الضائعِ

فوق دماغي الميتِ ،

ويهطلُ في شلّالِ الريحِ

شقاءُ الأرواحِ المغتربه !

آهٍ يا ربَّ الغربةِ

ما أصعبَ هذي الغربه !

ما أصعبَ أن تتماوتَ ناياتُ الألمِ الليليّةِ بالأشجانِ ،

وتغرورقَ كلّ مآقي الغيمِ المتعبِ بالعبراتِ المنسكبه !

ما أصعبَ أن تتصاعدَ كلُّ الأصواتِ المتألّمةِ المرّةِ

من أرحامِ الآبارِ

كصوتِ رجاءٍ محترقٍ

يترقرقُ بالألمِ الشاقْ !

فترقرقْ بدموعكَ يا قلبُ فراقاً بعد فراقْ !

هرّت أوراقُ الحورِ على أرصفةِ الدارِ المهجورةِ

فبكيتُ وحيداً في هبّةِ ريحٍ يا دارْ !

هرّتْ أوراقُ الحورِ

وصارَ غناءُ البلبلِ

عند نهاياتِ الأشجارْ !

آهٍ ياهدآتِ المشمشِ

آهٍ يا هدآتْ !!

هرّت أوراقُ الحورِ...

وأيلولُ المتعبُ يكتبُ سيرتَهُ المجروحةَ

بينَ مماشي المشمشِ بالدمعِ

ورخرخةِ الغيماتْ !

آهِ على هبّةِ ريحٍ

هائمةٍ في سهلِ الآهاتْ !

آهِ على تنهيداتِ حفيفٍ

يحملها الشجرُ النائمُ في أحلامِ الريحِ

مع الهبّاتْ !

آهِ على رفِّ حمامٍ

يتهادى فوق حفافي الوادي

شَلْحَاتٍ .. شَلْحَاتْ !

آهٍ من أشواقٍ

ترقدُ في أعماقِ القلبِ الحافي

وتهزُّ بكاءَ الروحِ من الأعماقْ !

يا قلبُ فكيفَ تطيقُ الغربةَ

والغربةُ ليسَ تُطاقْ ؟

صرخاتُ الغربةِ ريحُ شتاءٍ متوحّشةٌ

تتمزّقُ في روحِ الباكي

كشرارةِ نارْ !

صرخاتُ الغربةِ يا ليلُ

قصائدُ نعيٍ يتعلّقُ مطلعُهَا الطلليُّ الفاجعُ

كالنعواتِ على كلّ جدارْ !

صرخاتُ الغربةِ صوتُ صهيلٍ مكسورٍ

في جنباتِ الوعرِ

ورجعُ نحيبٍ حارْ !

صرخاتُ الغربةِ في إيقاعِ اليأس المتعاظمِ

تتلاطمُ كالأمواجِ المصطخبه !

آهٍ يا ربَّ الغربةِ

ما أصعبَ هذي الغربه !

حزنُ القلبِ عظيمٌ

وعظيمٌ في هذي اللحظاتِ الصعبه !

هبّتْ رائحةُ القبرِ مع الريحِ

وسالَ نواحُ كمنجاتِ النعي

على نهرِ النغماتِ المنكسره !

هبّتْ رائحةُ القبرِ

وحلَّ سكونُ الفصلِ المظلمِ

في أروقةِ الموتِ السوداءِ

ولاحتْ كخريفِ الأعمارِ

نهاياتُ الأيّامِ المحتضره !

الآنَ سترقدُ في أعماقِ الروحِ المتعبِ

كلُّ أسابيعِ اليأسِ المنطمره ...

ويعودُ الكونُ إلى وحدتهِ المدفونةِ

في الأعماقْ !

حلَّ أوانُ الفصلِ المظلمِ يا روحُ

ودقّتْ ساعاتُ العتمةِ

دقّتَها الميتةَ

في جمجمةِ القلقِ العاقْ !

يا قلبُ ترقرقْ بدموعكَ

يا قلبُ .. فراقاً بعدَ فراقْ !

صورُ الأحبابِ مسافرةٌ

تتراءى كطيورِ المغربِ في عينيّ

وتنحلُّ مع الدمعِ عزاءً

لفؤادٍ يتعزّى في كلِّ عذابْ !

صورُ الأحبابِ مسافرةٌ كطيورِ الهجرةِ

في عينيّ

وراجعةٌ كلُّ تصاويرِ الأغراب ْ .

آهٍ يا أغنيةَ الريحِ المحترقه !

ما عادت تتراءى في أعيننا

غيرُ تصاويرِ الرُّحّلِ والغيّابْ !

فلأيّ مصيرٍ تغرقُ شمسُ الغائبِ

في أجواءِ الشفقه ؟ ..

وتصيخُ نصوبُ الصخرِ مسامعها

لفؤوسٍ تتعاركُ كالصيحاتِ

على سندانِ القدرِ العنّينْ ؟

وأنامُ على صدركِ يا ريحُ غريباً

مملوءاً بالأشجانِ

أغنّي أغنيةَ الحيرانِ مع الريحِ

وصوتُ هزيمِ الريحِ حزينْ !

تهتزُّ شجيراتُ الشوقِ فتشتاقُ الروحُ

وتنسابُ دموعُ الحزنِ على سكّينْ !

يا بَكْوَةَ روحٍ تتنهنهُ في العتمةِ

وا أسفاهُ لقد صارَ القلبُ الساهي

كتلةَ طينْ !

ما عدنا نكتبُ اسمَ الحزنِ الضائعِ

بالشوقِ على طرقاتِ العشّاقْ !

.. صورُ الأحبابِ مسافرةٌ

كتوابيتِ الموسيقى الليليّةِ

وضريحُ الغربةِ ضاقْ !

يا قلبُ ترقرقْ بدموعكَ يا قلبُ

فراقاً بعدَ فراقْ !

الغربةُ صرخةُ روحٍ

تتمزّقُ في جبروتِ الأرضِ

وألفُ جريحٍ يتألّمُ في أغنيةِ الترحالِ المرّةِ

ألفُ جريحْ !

الغربةُ شَبَّابَاتٌ تتناومُ بالأشجانِ

وتنداحُ بكاويها المكلومةُ

في نهرِ الحسراتِ مع الريحْ !

الغربةُ صحراءُ ذئابٍ تتراكضُ بين جرودِ الصبّارِ

لشربِ دماء ضحاياها المغتصبه !

ما أقسى أنْ تهتزَّ على صرخاتِ الريحِ

جميعُ حقولِ القمحِ المنتهبه !

يا قمرَ النورِ الربّانيِّ الهادىءَ

رخرخْ نورَكَ فوق دماغي الميتِ

وأنقذني من هذي اللحظاتِ الصعبه !

حزنُ القلبِ عظيمٌ

وعظيمٌ صوتُ اليأسِ الغائصُ

في قاعِ السأمِ العاقْ !

آهٍ كيف تجاوبَ صوتُكَ يا ربانُ

بكلِّ عذاباتِ النفسِ المستلبه !

آهٍ من صحراءِ بكاءٍ تتحطّمُ تحتَ نحيبِ الموجِ

ومن أفئدةٍ تبكي نادمةً يا ربُّ

من الإرهاقْ !

ما من ألمٍ يعتصرُ الروحَ الفاقدَ

أكثرَ من مطرِ الليلِ على

شبّاكِ فراقْ !

فتألّمْ يا قلبُ من الأعماقْ !