( إلى الراحل سليم هماش )
سلاماً بالأسى الصافي
لمن صاروا مراثي
بعدما غنّوا المواويلا!
... لمن ربّوا البلابلَ
فوقَ أعشاشِ الغروبِ
وحينما حانَ الوادعُ
تطايرتْ أرواحهم
في المشهدِ الباكي مناديلا !
سلاماً بالأسى الصافي
لمن حملوا على أكتافهم
حزنَ الخريفِ
وخلّفوا شيخوخةَ الأيّامِ في كوخِ الشتاءِ
ونَصَّبُوا أحزانَهم فينا تماثيلا !
.. لمن رجعوا إلى بيتِ العذاباتِ العتيقِ
وعلّقوا أعشاشَ وحشتهم
على شجرِ العشيّةِ
مثلَ أعشاشِ البلابلْ !
( سلاماً من صميمِ القلبِ )
للموتى الذينَ تقمّصوا شجرَ الظلامِ
وأصبحوا رهبانَ هذي الريح
في طرقِ الرواحلْ !
لمن زرعوا غراسَ الدمع
في كأسِ العيونِ
وحينما انسكبَ الوداعُ
مدامعاً ورديّةً
جمعوا سنابلَ زعفرانٍ للأصائلْ !
سلاماً بالأسى
يا صاحبَ الحزنِ البعيدِ
كتبتَ وجدكَ بالرسائلِ كالغريبِ
ولم نجدْ من بعدِ فقدكَ
غيرَ تعزيةِ الرسائلْ !
سلاماً يا حنونَ الصوتِ
كالناياتِ
.. من رعتِ الربابةُ قلبَهُ المجروحَ
بالوترِ الحنونِ
وروحهُ في ذلكَ
الموّالِ راحلْ !
طريقُ الحزنِ مهجورٌ على دربِ الغروبِ
وآخرُ العرباتِ لمْ ترجعْ
وما تلكَ الغيومُ
سوى حكاياتِ الرحيلِ
( رَوَاحِلٌ ) تقفو رواحلْ !
فيا أمّي
يذوبُ الدمعُ في عينِ الغريبِ
ولا تذوبُ دموعُ من تركوا المنازلْ !
فيا ليتَ الذينَ تغرّبوا
قالوا وداعاً
قبل أن يمضوا إلى مدنِ الغيابِ
وليتَ لم نرسلْ
ونحنُ نشيّعُ الأيّامَ بَعْدَهُمُ
حمامَ الوحشةِ الزاجلْ !
وداعاً بالأسى الصافي
لمن ملأوا سماءَ المغربيّةِ بالوداعِ
وسافروا عنّا سراعا !
.. سراعاً أطفأوا سُرُجَ العشيّةِ
واختفوا في الليلِ
والطرقِ البعيدةِ
ليتهم أخذوا ضياءَ عيوننا الثكلى
متاعَا !
رأيناهمْ يدقّونَ الرياحَ
على سنادينِ النحيبِ
ويحملونَ محدّبينَ على ظهورِ العمرِ
أثقالَ الهمومِ
وغربةُ الأيامِ تزدادُ اندفاعا .
وداعاً بالأسى الصافي
لمن تركوا الصدى السكرانَ
يسرحُ في شوارعنا العتيقةِ
والمدى الأسيانَ يزدادُ اتساعا !
فوانيسُ المساءاتِ الحزينةُ
تستديرُ بضوئها المكسورِ
نحو رحيلهم
من علّمَ المصباحَ أن يبكي التياعا ؟
غدتْ أكواخهم في الليلِ مشتى للغيومِ
ومن مضوا
يا ليتهمْ رجعوا
وليتَ الشوقَ لم ينشرْ
إلى أعشاشهم
في ذلك المنأى الشراعا !
فيا أمّي
تركنا العمرَ مجروحاً على الحيطانِ ،
ما قلنا لتلكَ الدارِ يا أمّي
وداعا !
ومن نَحَتُوا حروفَ الليلِ في أبوابِ غربتنا
أباحوا حزنَنَا للريحِ..
يا أمَّ الحزانى
في عيونِ الناسِ كيفَ الدمعُ ضاعا ؟
فيا ضوءَ المصابيحِ اتئدْ بالضوءِ
كي نُلقي على الماضي الوداعا !