أزفَ الرحيلُ وحزنُ روحكَ لا يُرَاحُ
وقلوبنا ياريحُ تشربُها الجراحُ !
أزفَ الرحيلُ عن المطارحِ
كيفَ يا كهفَ الصدى
صراخاتُ وحشتنا تُصاحُ ؟
صوتي على من غابَ مجروحٌ
ونعيُ الريحِ يرثي نأي
من بَعَدُوا وراحوا ..
أبكاكَ يا ألمي الشجى
والحزنُ إن نزفتْ دماءُ القلبِ يا ألمي يُناحُ !
عزفوا على وترِ الرياحِ
جراحنا
وديارنا كالقفرِ تُوحشها الرياحُ
بعدَ الأسى لا مستراحُ لروحِكَ المكسورِ
من بعدِ الأسى لا مستراحُ
يا ليتَ غربتنا على هذا الترابِ
وعمرنا كالرملِ تمحوهُ الرياحُ
حمص وشيخوخة الشتاء
حينَ حطَّ مالكُ الحزينِ في أواخرِ المساءْ
على طريقِ الهجرةِ الطويلِ
عندَ أطرافِ القرى
وراحَ يسمعُ النواعيرَ التي تئنُّ مع الريحِ
على طولِ السهولِ
والغناءَ هاطلاً كوابلِ الدموعِ
من حناجرِ البكاءْ !
ومدَّ جانحيهِ سائلاً
بلوعةِ الحنينْ
ورافعاً منقارهُ الطويلَ كالمزمارِ
صاحَ مالكُ الحزينْ
أهذهِ حمصُ التي يخالُ للناظرِ من ذاكَ البعيدِ
أنها تأخذُ شكلَ كهلةٍ
تنامُ في شيخوخةِ الشتاءْ؟
أهذه حمصُ التي تأخذُ شكلَ أولِ الأسى
وأخرِ البكاءْ ؟
وصوتها الملوّعُ المجروحُ
رافعٌ حداءهُ عن الذين ما أحبّوا
ما تعذّبوا
ولا ذاقوا مرارةَ الرحيلِ
عن مطارحِ الفراقْ ؟
عن الذينَ هاجروا وراءَ صوتِ الريحِ
راحلينَ راجعينَ بينَ الشامِ والعراقْ
حينَ حطَّ مالكُ الحزينُ
قربَ مستراحهِ القديمِ في أواخرِ القرى
وشمسُ المغربيّةِ المليئةُ الأسى
تلقي بضوءٍ أرجوانيٍّ حزينٍ
على بقاعِ العزلةِ القفراءْ
وحدّقتْ عيونُهُ البيضاءُ في سآمةِ السماءْ
رأى اللقالقَ التي تهيمُ في مواكبِ الغروبْ
رأى العذباتِ التي تجرُّ حزنها الذليلَ
والغيومَ مثلَ أسرابِ الأسى
في طيرانها البعيدِ
والحواكيرَ التي تسافرُ الرياحُ
عبر شعرها الطويلْ
وما رأى من أصدقائهِ القدامى
غيرَ حسرةِ الحدادِ والغيابْ
هناك مالكُ الحزينُ بكى
بحرقةِ المغلوبِ في مرابعِ الهديلْ
وظلَّ قائلٌ يقولُ كلما ناحَ النخيلْ
يخالُ للناظرِمن أقصى البعيدِ
نحو حمصَ أنها
تأخذُ شكلَ دمعةٍ بمعطفِ الأصيلْ .
في كلِّ شمسٍ غاربه
وفي ظلالِ حزنها العميقْ
يُرى هناكَ دائماً بلا رفيقْ
محدّقاً بلا نهايةٍ
في خرائبِ المدينةِ المعذّبه
محدّقاً بقلبها الجريحِ من أواخر الطريقْ
طوى جناحيهِ حزيناً ثم ماتَ
قيلَ مالكُ الحزينْ !
وظلَّ صوتُهُ يتيهُ كالأصداءِ
في وادي الحنينْ .