تخطَّ إلى المحتوى

يا بياع الكتب المنسية

غير معروف

١٠٠ بيت

الرثاء

يا بياعَ الكتبِ المنسيّةِ

بين محطّاتِ الباصاتْ !

كمْ صارَ الوقتُ الآنْ ؟

فأنا أتسكّعُ طولَ الليلِ

وإحساسي بالعالمِ إحساسٌ سكرانْ !

ملأَ الناسُ زجاجاتِ الدمعِ

وسافرَ كلُّ الحزنِ وحيداً

إلاّ الركابُ

لقد أخذوا ساعاتِ الوقتِ وذابوا

كالأعينِ في النظراتْ !

فلماذا تقفُ اليومَ بصمتٍ

تحتَ مزاريبِ الليلِ

وأمطارُ الليلِ ( حزيناتْ )؟

رحلَ الناسُ وما انتظروكَ ..

ولم ترجعْ بالأفراحِ زماميرُ الباصاتْ !

رحلَ الناسُ

وصاروا أصنامَ حزانى

واقفةً في جدرانِ الليلِ وقوفَ الصلبانْ .

يا بياعَ الكتبِ الجوعانْ !

أَوَلَا تعرفُ كيفَ ستهدأُ في أغوارِ اليأسِ

طواحينُ الوحشةِ ،

أو كيفَ سيهدأُ في تفكيرِ الليلِ

دماغُ الرجلِ الحيرانْ ؟

ستونَ شتاءً يا بياعُ وأنتَ

تغنّي في الحاراتِ المهجورةِ

أبياتاً لرثاءِ العمرِ

وتنسى في الحزنِ مراثيكْ !

كلماتُكَ أبياتٌ باكيةٌ

يكتبها الشعراءُ بحبرِ الحسراتِ المجروحِ

على صفحاتِ مآسيكْ !

آهٍ من حزنكَ

لا صوتُكَ في الحزنِ عميقٌ يتلجلجُ بين حناياكَ

ولا رجعكَ في الليلِ المكدودِ

كرجعِ الريحِ الحافي

ويظلُّ أساكَ يراودُ باليأسِ أماسيكْ !

الشمسُ تغيبُ بغصّتها المعجونةِ بالدمعِ

وراءكَ ، والقمرُ الأعمى

وتذوبُ الدمعةُ دافئةً كالخمرةِ

في رقراقِ مآقيكْ !

وغريباً تتلألأُ قدّامكَ أضواءُ السيّاراتِ ..

غريباً تبكي فرقةَ روحكَ في الحاراتِ ..

غريباً تسألُ عن مسقطِ رأسكَ يا بن أبيكْ !

يأخذكَ الليلُ إلى حقلِ الآهاتِ،

وتأخذكَ الريحُ إلى حقلِ الحسراتِ ،

وتأخذكَ الدنيا الليليّةُ مكسوراً

كالأغنيّةِ في لحنِ مراثيكْ !

أوقدتَ دموعكَ في فانوسِ الليلِ

ورحتَ وحيداً تتطلّعُ تطليعةَ مجروحٍ

في قمرِ المغربِ ..

تصغي يا حيرانَ الروحِ

إلى صوتِ الناعي في البئرِ

كأنَّ البئرَ يغوصُ عميقاً في عينيكْ !

ما من أحدٍ

سيدقُّ عليكَ البابَ سوى

الرجلُ الليليُّ الغامضُ

يأتي متشحاً بظلامِ الليلِ

ويطبقُ أجفانَ الموتِ عليكْ!

آهٍ يا بياعَ تعاويذِ الحزنِ المنسيةِ

آهٍ يا جدّاهْ !

إمّا أبصرتَ غريباً أخبرهُ

بأني مالا أبحثُ عنهُ أجدهُ

وما أرغبُ في رؤيتهِ لا ألقاهْ !

آهٍ يا جدّاهْ !

كمْ كانَ زهيداً يا جدّاهُ استمتاعكَ

بالعمرِ ..

وكم كانَ شحيحاً ما أعطتكَ الفاقةُ

تُعطى الحيرةَ والوحدةَ والفقرَ

وما تحتاجُ إليهِ طويلاً لا تُعطاهْ !

آهٍ آهٍ يا جدّاهْ !

آهٍ ما أوحدكَ الآنْ !

يسقطُ فرخُ حمامٍ من أعشاشِ الريحِ

ويغربُ في الأرضِ غناءُ الكروانْ !

يتلاقى قدحانِ على طاولةِ الليلِ

غريبينِ وينكسرانْ .

يتجاوبُ في الصمتِ الأسودِ صوتانِ ضريران

الأولُ باكٍ

والثاني يتنزّلُ كالدمعةِ من حدقِ السكرانْ !

آهٍ يا بياعَ الكتبِ المنسيّةِ

يا من تجلسُ مستاءً وعجوزاً في بابِ الدكّانْ !

ليسَ لكَ الآنَ سوى التحديقِ ،

ووزنِ الصمتِ الشاسعِ

والوقتِ الضائعِ بالميزانْ.

سافرَ كلُّ الناسِ

ونحنُ قطعنا لليلِ تذاكرنا

وملأنا بالأيّامِ حقائبنا

ورحلنا نقرأُ آثارَ الريحِ على الجدرانْ .

فعناوينُ الناسِ مخبّأةٌ بجيوبِ الناسِ

وحزنكَ يا بياعُ بلا عنوانْ .

خبّرني يا حمّالَ همومِ الناسِ

لماذا رحلَ الهرمونَ مع المغربِ

كالأشباحِ

وما عادَ مع الصبحِ أعزّاءُ الناسْ ؟

فظللنا نتبصّرُ أطيافَ مدامعهم في صمتِ الكاسْ !

هل شفّوا كنحوتِ الوحشةِ

في وقفاتِ الليلِ المكسورةِ

حتى ما عدنا نبصرهم إلا في سكراتْ ؟

أم صاروا كرنينٍ باكٍ في الأجراسْ ؟

وتسافرُ من دونكَ كلُّ قطاراتِ الليلِ

وتبقى أوراقُ الكتبِ المصفرّةِ

تسقط فوقكَ كالميتاتْ .