يا بياعَ الكتبِ المنسيّةِ
بين محطّاتِ الباصاتْ !
كمْ صارَ الوقتُ الآنْ ؟
فأنا أتسكّعُ طولَ الليلِ
وإحساسي بالعالمِ إحساسٌ سكرانْ !
ملأَ الناسُ زجاجاتِ الدمعِ
وسافرَ كلُّ الحزنِ وحيداً
إلاّ الركابُ
لقد أخذوا ساعاتِ الوقتِ وذابوا
كالأعينِ في النظراتْ !
فلماذا تقفُ اليومَ بصمتٍ
تحتَ مزاريبِ الليلِ
وأمطارُ الليلِ ( حزيناتْ )؟
رحلَ الناسُ وما انتظروكَ ..
ولم ترجعْ بالأفراحِ زماميرُ الباصاتْ !
رحلَ الناسُ
وصاروا أصنامَ حزانى
واقفةً في جدرانِ الليلِ وقوفَ الصلبانْ .
يا بياعَ الكتبِ الجوعانْ !
أَوَلَا تعرفُ كيفَ ستهدأُ في أغوارِ اليأسِ
طواحينُ الوحشةِ ،
أو كيفَ سيهدأُ في تفكيرِ الليلِ
دماغُ الرجلِ الحيرانْ ؟
ستونَ شتاءً يا بياعُ وأنتَ
تغنّي في الحاراتِ المهجورةِ
أبياتاً لرثاءِ العمرِ
وتنسى في الحزنِ مراثيكْ !
كلماتُكَ أبياتٌ باكيةٌ
يكتبها الشعراءُ بحبرِ الحسراتِ المجروحِ
على صفحاتِ مآسيكْ !
آهٍ من حزنكَ
لا صوتُكَ في الحزنِ عميقٌ يتلجلجُ بين حناياكَ
ولا رجعكَ في الليلِ المكدودِ
كرجعِ الريحِ الحافي
ويظلُّ أساكَ يراودُ باليأسِ أماسيكْ !
الشمسُ تغيبُ بغصّتها المعجونةِ بالدمعِ
وراءكَ ، والقمرُ الأعمى
وتذوبُ الدمعةُ دافئةً كالخمرةِ
في رقراقِ مآقيكْ !
وغريباً تتلألأُ قدّامكَ أضواءُ السيّاراتِ ..
غريباً تبكي فرقةَ روحكَ في الحاراتِ ..
غريباً تسألُ عن مسقطِ رأسكَ يا بن أبيكْ !
يأخذكَ الليلُ إلى حقلِ الآهاتِ،
وتأخذكَ الريحُ إلى حقلِ الحسراتِ ،
وتأخذكَ الدنيا الليليّةُ مكسوراً
كالأغنيّةِ في لحنِ مراثيكْ !
أوقدتَ دموعكَ في فانوسِ الليلِ
ورحتَ وحيداً تتطلّعُ تطليعةَ مجروحٍ
في قمرِ المغربِ ..
تصغي يا حيرانَ الروحِ
إلى صوتِ الناعي في البئرِ
كأنَّ البئرَ يغوصُ عميقاً في عينيكْ !
ما من أحدٍ
سيدقُّ عليكَ البابَ سوى
الرجلُ الليليُّ الغامضُ
يأتي متشحاً بظلامِ الليلِ
ويطبقُ أجفانَ الموتِ عليكْ!
آهٍ يا بياعَ تعاويذِ الحزنِ المنسيةِ
آهٍ يا جدّاهْ !
إمّا أبصرتَ غريباً أخبرهُ
بأني مالا أبحثُ عنهُ أجدهُ
وما أرغبُ في رؤيتهِ لا ألقاهْ !
آهٍ يا جدّاهْ !
كمْ كانَ زهيداً يا جدّاهُ استمتاعكَ
بالعمرِ ..
وكم كانَ شحيحاً ما أعطتكَ الفاقةُ
تُعطى الحيرةَ والوحدةَ والفقرَ
وما تحتاجُ إليهِ طويلاً لا تُعطاهْ !
آهٍ آهٍ يا جدّاهْ !
آهٍ ما أوحدكَ الآنْ !
يسقطُ فرخُ حمامٍ من أعشاشِ الريحِ
ويغربُ في الأرضِ غناءُ الكروانْ !
يتلاقى قدحانِ على طاولةِ الليلِ
غريبينِ وينكسرانْ .
يتجاوبُ في الصمتِ الأسودِ صوتانِ ضريران
الأولُ باكٍ
والثاني يتنزّلُ كالدمعةِ من حدقِ السكرانْ !
آهٍ يا بياعَ الكتبِ المنسيّةِ
يا من تجلسُ مستاءً وعجوزاً في بابِ الدكّانْ !
ليسَ لكَ الآنَ سوى التحديقِ ،
ووزنِ الصمتِ الشاسعِ
والوقتِ الضائعِ بالميزانْ.
سافرَ كلُّ الناسِ
ونحنُ قطعنا لليلِ تذاكرنا
وملأنا بالأيّامِ حقائبنا
ورحلنا نقرأُ آثارَ الريحِ على الجدرانْ .
فعناوينُ الناسِ مخبّأةٌ بجيوبِ الناسِ
وحزنكَ يا بياعُ بلا عنوانْ .
خبّرني يا حمّالَ همومِ الناسِ
لماذا رحلَ الهرمونَ مع المغربِ
كالأشباحِ
وما عادَ مع الصبحِ أعزّاءُ الناسْ ؟
فظللنا نتبصّرُ أطيافَ مدامعهم في صمتِ الكاسْ !
هل شفّوا كنحوتِ الوحشةِ
في وقفاتِ الليلِ المكسورةِ
حتى ما عدنا نبصرهم إلا في سكراتْ ؟
أم صاروا كرنينٍ باكٍ في الأجراسْ ؟
وتسافرُ من دونكَ كلُّ قطاراتِ الليلِ
وتبقى أوراقُ الكتبِ المصفرّةِ
تسقط فوقكَ كالميتاتْ .