يا طيرَ الحزنِ البردانَ على أطرافِ التينْ !
ليسَ لكَ الآنَ سوى التغريدِ
بصوتٍ مكسورٍ وحزينْ !
رحلت قافلةُ الأسرابِ
ولم يبقَ سوى أشجارِ الحورِ
العريانةِ واقفة في البستانِ ،
كفزّاعاتِ الريح ِالليليّاتِ
وأشجارِ الدمعِ
كحرّاسِ الحزنِ الليليينْ !
آهٍ من ساعاتِ الوحدةِ
كم هيَ مؤلمةٌ للروحِ
وآهٍ من صمتِ البحرِ اليائسِ
كم هوَ يا نفسُ دفينْ !
الآنَ تفتّحُ ذكرى الآمالِ المرّةِ
من طيَاتِ القلبِ المتعبِ كالأشواكِ
وتسقطُ في قبري الثمراتُ الفجّةُ
من نعواتِ البكّائينْ !
آهٍ مما يجعلُ قلبَ العاشقِ
يبكي في ساعاتِ الغسقِ السكرانةِ
إذ تتجمّعُ كل النظرات المجروحةِ
في تجويفِ العينْ !
.. فالآنَ يطيرُ اللقلقُ تحت سماءٍ مقفرةٍ
ونواعيرُ الليلِ تديرُ عنينَ الأعمارِ
الرحّلِ مالئةً صحراءَ العمر عنينْ !
عبرَ ثقوبِ الناي السبعةِ
تبكي بأحاسيسِ الحزنِ مساءاتُ الموسيقى
وترتّلُ بين سطورِ الحسراتِ الأسيانةِ
أبياتَ وداعٍ ونداءات حنينْ
يا طيرَ الوحشةِ يا من تقفُ اليومَ
على بابِ الدمعِ وقوف الباكينْ !
دعني أنحت تصويرةَ روحي كالطاحونة ِ
في الصخرِ
وأنقش رقّةَ روحي كالنافورةِ في صلصالةِ طينْ !
دعني أنحت جرحَ المغربِ في خشبِ النعشِ
وأستغرقُ كالحالمِ في تفكيرٍ مرٍّ وحزينْ !
حزنُ المغربِ حزنُ قلوب ٍداميةٍ
تتلوّى من لوعتها في ندمِ الطينْ .
حزنُ المغربِ مثل عصارة ِقلبٍ أبيضَ
تعتصرُ الناياتُ خلاصتَهُ العذبةَ
في إبريقِ الدمعِ
وتسقيهِ كؤوسَ القديسينْ !
حزنُ المغربِ حزنٌ يترقرقُ
مثل شموعِ العتمةِ وهي تسيلُ
مع العبراتِ جداولُهَا المرّةُ
حافرةً مجرى العزلةِ في الأنفاقْ .
يا طيرَ الوحشةِ هل تعرفُ كيف
يغوصُ الشاعرُ في أنفاقِ كآبتهِ
السوداءِ
ويغمضُ عينيه على عتماتِ الأعماقْ ؟
هل تعرفُ كيف تصيحُ الصرخةُ
يائسةً في البئِر الموحش ِ: ما عدتُ أطاقْ ؟
كبرَ البستانُ وشاخَ خريفُ الوحشةِ
في شيخوخةِ حقلِ الحورِ
وأكواخِ شتاء ِالتينْ !
فارفع صوتكَ بعد رحيلِ الصيفِ
وزقزقْ في البستانِ المهجورِ
زقاءَ المهجورينْ !
وتسافرُ يا طيرُ وحيداً بين دروبِ التينْ .