يا ليلَ الشاعرِ أرخِ سدولكَ
فوقَ كآبة ِهذي الروحِ
كقمصانِ الأيتامِ
وعانقْ بسكينتكَ السوداءِ
مساءاتِ العزلةِ
حين تعزُّ عليها الدمعةُ
فالقلبُ حزينٌ ، جدُّ حزينْ !
إنَّ مرارةَ هذي الروحِ
تريقُ عصارتها المرّةَ في قدحِ السمِّ
وتلعقهُ كأفاعي العتماتِ الجوعى
ألسنةُ العطشِ العنينْ .
يا ليلَ الشاعرِ في ذيّاكَ الحينْ ..
حينَ تغيبُ شموسُ الوحشةِ خاشعةً
كشموعِ الرهبانِ
ويهبطُ قلبكَ في بئرِ الدارِ المهجورةِ
كالقمرِ الميتِ
فتمتصُّ دموعكَ ديدانُ الطينْ !
حينَ تفيضُ عيونُ جراحكَ
حتى تملأَ صدركَ بالحسراتِ
وتبصرُّ كالمخمورِ تعاسةَ نفسكَ
في نظراتِ السكرانينْ .
يا ليلَ الشاعرِ
حينَ تكلُّ حياتُكَ في ساعاتِ سآمتها
الليليّةِ
كالبندولِ الضجرانِ
ويغرقُ عمرك َكالمستنقعِ في سأمِ الخمسينْ !
يتجوَّلُ حطّابُ الأحلامِ المكسورة ِ
في الظلماتِ الغسقيّةِ
كأميرِ عزاءٍ مهزومْ !
يتجوّلُ منفيَّ العقلِ على أرصفةِ الطرقاتِ
الليليّةِ
طوّافاً في أحلامِ الناسِ التعساءِ
وبينَ كوابيسِ الناسِ السعداءِ
كحمّالِ همومْ !
يتجوّلُ جوّاباً غيرانَ الفقراءِ الراضينَ
ومقبرةَ القمرِ القفراءَ كمأمورٍ أعمى
وينادي بالصوتِ الظمآنِ عليك ْ :
ستمرُّ غريباً يا طالبُ بين ضياعِ الليلِ
لتسألَ عن طفلكَ يا ابنَ أبيكَ النائي
وستسمعُ في بكواتِ الريحِ الأسيانةِ
ترجيعَ نواعيركَ ينعي ترجيعَ نواعيكْ !
ستمرُّ غريباً في الحاراتِ المتروكةِ
بعدَ مغيبِ الشمسِ
وحزنكَ كالمغلوبِ يجرُّ وراءكَ
نهرَ الحسراتِ الميتِ
على الطرقاتِ العطشى
ويبللكَ المطرُ الساخنُ من رأسكَ
حتى أخمص قدميكْ !
وستأخذكَ الدنيا الليليّةُ
كالمخمورِ لتبكي بين خراباتِ الليلِ
على ما هوَ مجروحٌ فيكْ !
فاليومَ ستجعلكَ الأغنيّةُ
تبكي فوق كمنجاتكَ من فرطِ مراثيكْ !
واليومَ تهجّركَ الريحُ
ولا ترجعكَ الريحُ
فترحلُ مغلوباً وتكرُّ جريحاً
ومحاريثُ الوحشةِ
تحرثُ في حقلِ الآهاتِ المكسورةِ قبراً لتواريكْ !
تبكي روحكَ في مطراتِ الليلِ
ترقرقَ هذي العبراتِ
المذروفةِ يا محزونُ
فمن يعرفُ أن المطرَ المذروفَ
غزيراً يترقرقُ بين مآقيكْ !
من يعرفُ أن البكوةَ نطقُ دموعِ العينِ
وأن الآهةَ نطقُ شفاهِ الروحِ
وأن الحسراتِ المكسورةَ
نطقُ قلوبِ الباكينْ ؟
يا ليلَ الشاعر أرخِ سدولكَ
فوق كآبةِ هذي الروحِ كأكفانِ الأيتامِ
وعانق بسكينتك السوداءِ
مساءات العزلةِ
حين تعزُّ عليها الدمعةُ
فالقلبُ حزينٌ ، جدُّ حزينْ .