فَما كُنْتُ أَدْرِي أَنْ يَكُونَ سَعِيدُ
مُقِيماً بِأَرْضِ المَحْلِ وَهو وَحِيدُ
مُقِيماً بِأَرْضٍ لا أَنِيسَ لَهُ بِها
يُجافِيهِ فِيها مُبْغِضٌ وَوَدُودُ
مُقِيماً بِها طُولَ الزَّمانِ مُجاوِراً
أُناساً حَوَتْهُمْ فِي التُّرابِ لُحُودُ
أُناسٌ رُقُودٌ لا رُقادَ وَإِنَّما
هُمُ فِي سِوَى حالِ الرُّقادِ رُقُودُ
وَما كُنْتُ أَدْرِي أَنْ أَرَى حُسْنَ وَجْهِهِ
يُهالُ عَلَيْهِ جَلْمَدٌ وَصَعِيدُ
وَأَنْ أُبْصِرَ الأَيَّامَ فِيهِ تَكِيدُنِي
بِما يَتَمَنَّى كاشِحٌ وَحَسُودُ
وَأُنْزِلَهُ فِي اللَّحْدِ كُرْهاً وَناظِرِي
عَلَيْهِ بِمَسْفُوحِ الدُّمُوعِ يَجُودُ
وَأَحْثِي عَلَيْهِ التُّرْبَ بِالكَفِّ مُسْرِعاً
وَقَدْ كُنْتُ نَمْلَ الأَرْضِ عَنْهُ أَذُودُ
وَأَرْضَى لَهُ فِي ظُلْمَةِ القَبْرِ مَسْكَناً
إِلَى يَوْمِ يُدْعَى صالِحٌ وَثَمُودُ
فَيا سُوءَ حالِي يَوْمَ عايَنْتُ وَجْهَهُ
وَقَدْ حالَ فِيهِ طارِدٌ وَطَرِيدُ
وَقَدْ شُدِهَتْ مِنَّا البَصائِرُ وَانْزَوَتْ
نُفُوسٌ وَذابَتْ أَضْلُعٌ وَكُبُودُ
وَقَدْ رَجَفَتْ أَحْشاؤُنا وَقُلُوبُنا
وَعَجْعَجَ مِنَّا شاهِدٌ وَشَهِيدُ
وَقَدْ بَلَغَتْ مِنَّا القُلُوبُ حَناجِراً
لَنا وَاقْشَعَرَّتْ لِلْفِراقِ جُلُودُ
وَحانَ وَداعٌ لِلنَّوَى وَتَقَطَّعَتْ
مَواثِيقُ مِنْ أَيَّامِنا وَعُهُودُ
وَداعٌ مُمِرُّ الطَّعْمِ لَيْسَ لأَهْلِهِ
لِقاءٌ إِلَى يَوْمِ المَعادِ يَعُودُ
أُوادِعُهُ يَوْماً وَدَمْعِي وَدَمْعُهُ
تُطِلُّ نُحُورٌ مِنْهُما وَخُدُودُ
أُوَدِّعُهُ يَوْماً وَقَلْبِي وَقَلْبُهُ
غَرائِبُها يَشْتاقُنا وَيَعُودُ
كأَنَّ عَلَيَّ السَّقْفَ خَرَّ وَلَمْ تَزَلْ
بِيَ الأَرْضُ مِنْ خَوْفِ الفِراقِ تَمِيدُ
إِذا ما فَقَدْتُ ابْنِي وَقَدْ كانَ جَنَّتِي
فَهَلْ لِمَسَرَّاتِ الزَّمانِ وُجُودُ
أُعَلِّمُهُ عِلْمَ الفَصاحَةِ راجِياً
تَقُومُ حُظُوظٌ لِي بِهِ وَجُدُودُ
فَحالَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ
وَضافَتْهُ مِنْ رَيْبِ الزَّمانِ وُفُودُ
وَأَصْبَحْتُ مِمَّا كُنْتُ أَرْجُوهُ خائِباً
وَغُلِّقَ مِنْ بابِ السُّرُورِ وَصِيدُ
أَزُورُ لَهُ قَبْراً ضُحَىً وَعَشِيَّةً
كأَنِّي لِضانٍ فِي الفِراشِ أَعُودُ
فَيا كَبِدِي ذُوبِي أَسَىً وَتَلَهُّفاً
فَقَدْ ضاعَ وَعْدٌ وَاسْتَقامَ وَعِيدُ
وَيا عَيْنُ جُودِي بِالدُّمُوعِ فَإِنَّها
دُمُوعٌ غِزارٌ ما لَهُنَّ جُمُودُ
وَيا نارَ حُزْنِي فِي حَشايَ تَسَعَّرِي
وَلا تَرْهَبِي أَنْ يَعْتَرِيكِ خُمُودُ
وَيا نَفْسُ جِدِّي فَاللَّيالِي خَؤُونَةٌ
وَإِنْ سَلَفَتْ مِنْها لَدَيْكِ وُعُودُ
وَلا تَنْظُرِي دُنْياكِ حُبًّا وَرَغْبَةً
فَإِنِّي لَها طُولَ البَقا لَزَهُودُ
فَقَدْ شَرَقَتْ شَمْسُ اليَقِينِ وَأَخْلَبَتْ
بُرُوقٌ رَجَوْنا نَفْعَها وَرُعُودُ
وَقَدْ طَلَعَتْ وَالدَّهْرُ غَيْرُ مُساعِدٍ
نُحُوسٌ وَمالَتْ لِلْمَغِيبِ سُعُودُ
وَغَيْمُ الأَمانِي خَفَّ وَانْكَشَفَ الغِطا
وَبانَ غَبِيٌّ وَاسْتَدَلَّ رَشِيدُ
وَأَخْلَقَ لَيْلُ الجَهْلِ بَعْدَ انْغِساقِهِ
وَلاحَ لإِصْباحِ الوَقارِ عَمُودُ
أَقُرَّةَ عَيْنِي إِنَّ حَوْضاً وَرَدْتَهُ
فَلا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ يَحِينَ وُرُودُ
فَإِنْ تَرَنِي حَيًّا فَإِنِّي لَمَيِّتٌ
بِغَدْرِ اللَّيالِي مُخْبِرٌ وَمُجِيدُ
وَسَوْفَ أُوافِي مُنْتَهاكَ مِنَ الرَّدَى
وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ المُنْتَهَى لَبَعِيدُ
وَلا تُنْكِرَنَّ المَوْتَ فَالمَوْتُ قِسْمَةٌ
تَساوَى عَلَيْها سَيِّدٌ وَمَسُودُ
سَتَذْهَبُ أَحْقابُ الزَّمانِ بِأَهْلِها
وَلَيْسَ لِخَلْقٍ فِي الزَّمانِ خُلُودُ
وَما الدَّهْرُ إِلاَّ مِحْنَةٌ وَمَسَرَّةٌ
وَما النَّاسُ إِلاَّ مُشْتَقٍ وَسَعِيدُ
لَيالِيكَ بِيضٌ كُلُّهُنَّ وَإِنَّما
فَقَدْناكَ وَالأَيَّامُ بَعْدَكَ سُودُ
فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَشْبَهْتَ فِي الحُسْنِ يُوسُفاً
فَفِي الحُزْنِ إِنِّي عَنْ أَبِيهِ أَزِيدُ
وَلَمْ أَنْسَ عَهْداً مِنْكَ أَيَّامَ ناظِرِي
يَراكَ وَدَهْرِي بِالسُّرُورِ يَجُودُ
وَإِذْ أَنْتَ طَلْقُ الوَجْهِ مُقْتَبِلُ الصِّبا
وَعَيْشُكَ غَضٌّ وَالزَّمانُ جَدِيدُ
يَرُوحُ وَيَغْدُو فِي الشَّبابِ مُحَبَّباً
عَلَيْكَ مِنَ الحُسْنِ البَدِيعِ بُرُودُ
وَقَدْ كانَتْ الأَيَّامُ فِيكَ مُجِيدَةً
بِما أَنا مِنْها أَبْتَغِي وَأُرِيدُ
وَكُنْتُ امْرَأَ القَيْسِ بنِ حُجْرٍ تَغَزُّلاً
فَصِرْتُ كأَنِّي فِي النَّعِيِّ لَبِيدُ
وُجُودُكَ عِنْدِي خَيْرُ حَظٍّ رأَيْتُهُ
وَفَقْدُكَ يا رُوحِي عَلَيَّ شَدِيدُ
وَإِنِّي وَإِيَّاكَ الغَداةَ لَفاقِدٌ
حَزِينٌ يُقاسِي حُزْنَهُ وَفَقِيدُ